وليس الخلاف بين العلماء في جواز استعمال لفظ الاستحسان (5) لوروده في القرآن
والسنة النبوية وعبارات بعض الفقهاء، وإنّما وقع الخلاف في معناه وتعريفه الإصطلاحي، والذي عرف بعدة تعاريف لا يخلو بعضها من إبهام وغموض، وهي أقرب إلى تعاريف الأدباء التي يغلب عليها طابع السجع (6) . والتعريف الذي يمكن أن تنتهي إليه أكثر التعاريف هو: الأخذ بأقوى الدليلين (7) .
وقد عرض الشوكاني عدة تعاريف للإستحسان من غير نسبة إلى قائلها كما عرض الأستاذ الخفيف قسمًا منها ناسبًا كلّ تعريف إلى قائله ومذهبه (8) .
فيطلق تارة على ما يميل إليه الإنسان ويهواه من الصور والمعاني وإن كان مستقبحًا عند غيره، أو يستحسنه المجتهد بعقله (9) . والأحكام لا تؤخذ بالتشهي والهوى، وهذا مما اتفقت كلمة العلماء على منعه.
ويطلق تارة أخرى على أنه: عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على إظهاره، لعدم مساعدة العبارة عنه (10) . وهذا مردود؛ لأن كلمة"ينقدح"للمجتهد تعني: أنّه شاك في اعتباره كدليل، والأحكام الشرعية لا تثبت بالشك أصلًا.
وكثيرًا ما جرت كلمة الاستحسان على السنة الحنفية منفردة أو مقرونة بالقياس فقد عرفوه (بأنه العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه، أو هو تخصيص قياس بدليل أقوى منه) (11) .
والحقيقة أن هذا التعريف غير جامع ولا مانع؛ لأنه لا يشمل الاستحسان الثابت بدليل آخر غير القياس: كالاستحسان الثابت بالإجماع أو الضرورة
عند من يقول بذلك ويشترط في التعريف: أن يكون شاملًا لجميع الأفراد، مانعًا من دخول الغير فيه.
وعرفه البعض الآخر: (بأنه قياس خفي لا يتبادر إلى الفهم في مقابل قياس جلي) (12) ، ولعل ذلك ما نسميه بـ"التبادر البدوي"، ولا حجية فيه، وهذا أيضًا غير شامل لجميع الأنواع لإرادة القياس الأصولي، وليس الأمر مقصورًا عليه، بل كما يكون هذا القياس يكون غيره: كالدليل العام، أو القاعدة المقررة عند البعض.
ومنهم من عرفه: (بأنه كلّ دليل شرعي مقابله قياس جلي، سواء كان نصًا أو إجماعًا أو ضرورة، أم قياسًا خفيًا) (13) . والواقع: أن حصر الاستحسان بهذه الأمور الأربعة غير صحيح، بل ربما يكون بالعرف وبالمصلحة أيضًا.
وعرفه الكرخي: (أنّه العدول عن حكم في مسألة بمثل حكمه في نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى منه) (14) . وهذا يوجب كون العدول عن العموم إلى الخصوص، والمنسوخ إلى الناسخ استحسانًا.
وعرفه أبو الحسين: (وهو ترك وجهٍ من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه هو أقوى منه، وهو حكم طارئ على الأول) (15) خرج بالأول: التخصيص والنسخ. وبالثاني: الحكم بأقوى القياسين، فإنه ليس في حكم الطارئ، ولو كان في حكمه لكان استحسانًا.