وكان شيخ الإسلام يخرج مع الناس في المعارك يثبت قلوبهم بالوعظ والتذكير، حتى إنه كان يقول لهم: إنكم منصورون. فيقولون له قل: إن شاء الله , فيقول: إن شاء الله تحقيقًا، لا تعليقًا. وهكذا كان، فقد انتصر المسلمون بعون الله على التتر.
وعلى هذا النحو كان - رحمه الله - يعيش هموم الأمة على مستوى الأفراد وعلى المستوى الجماعي؛ فيؤثر في مسيرة الأمة ويشاركها في جهادها وأفراحها وأتراحها.
الثاني: العز بن عبدالسلام، المعروف بسلطان العلماء، وله عدة مواقف جليلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك موقفه مع سلطان الديار المصرية، فقد خرج ذلك السلطان في يوم العيد في موكب عظيم، والشرطة مصطفون على جوانب الطريق، وحاشيته يحيطون به، والأمراء بين يديه، والعز - رحمه الله - يرى ذلك فنادى السلطان قائلًا: ياأيوب! ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوىء لك ملك مصر تبيح الخمور؟ فقال: أو يحدث هذا؟ فقال: نعم في مكان كذا وكذا - حانه يباع فيها الخمر - , فقال السلطان: يا سيدي هذا أنا ما عملته هذا من عهد أبي. فهز العز بن عبدالسلام رأسه وقال: أنت من الذين يقولون: (( إنا وجدنا آباءنا على أمة ) )؟! فأصدر السلطان أمرًا بإبطال الحانة، ومنع بيع الخمور. وانتشر الخبر بين الناس ورجع العز إلى مجلس درسه، فجاءه أحد تلاميذه - يقال له (الباجي) - فسأله قائلًا: ياسيدي كيف الحال؟ فقال: يا بني رأيته في تلك العظمة، فأردت أن أهينه لئلا تكبر نفسه فتؤذيه. فقال: ياسيدي! أماخفته؟ فقال: والله يا بني لقد استحضرت عظمة الله - تعالى - فصار السلطان أمامي كالقط.
الثالث: المنذر بن سعيد البوطي (سلطان الأندلس) وله مواقف عجيبة، منها الموقف التالي:
كان الخليفة عبدالرحمن الناصر كلفًا بالعمارة، وإقامة المعالم، وتشيد الدور، ومن ذلك أنه بنى مدينة الزهراء، واستفرغ جهده في تنميقها وإتقان قصورها، وزخرفة مصانعها، حتى لقد ترتب على اهتمامه بذلك الأمر وإشرافه عليه بنفسه أن تأخر عن صلاة الجمعة ثلاثةٍ اسابيع متوالية فلم يصلها مع المنذر بن سعيد - وكان يتولى الخطابة والقضاء - فأراد المنذر أن يعظ الخليفة ويكسر من غروره، ويحاسبه على إنفاقه الأموال الطائلة في التشييد والعمارة، وعلى انشغاله بذلك عن الإقبال على الله.
فلما كان يوم الجمعة، وحضر الخليفة، صعد المنذر المنبر، فبدأ الخطبة بقول الله تعالى (( أتبنون بكل ريعٍ آية تعبثون. وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون. وإذا بطشتم بطشتم جبارين. فاتقوا الله وأطيعون. واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون. أمدكم بأنعامٍ وبنين. وجناتٍ وعيون. إني أخاف