عليكم يومٍ عظيمٍ )) (سورة الشعراء 128 - 135) . واسترسل يقول: ولا تقولوا (( سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين. إن هذا إلا خلق الأولين. وما نحن بمعذبين](سورة الشعراء 136 - 138) (( قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلًا ) ) (سورة النساء 77) ومضى يذم الإسراف في تشييد البناء، والعناية بالزخرف، بلهجة شديدة ثم تلا قول الله عز وجل: (( أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوانٍ خير أم من أسس بنيانه على شفا جرفٍ هارٍ فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين. لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبةً في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم ) ) (سورة التوبة 109 - 110) .
وأتى بما يشاكل هذا المعنى؛ من التخويف بالموت وفجاءته، والتزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، وأسهب في ذلك وأضاف إليه ما حضره من الآيات القرآنية، والأحاديث، وآثار السلف، وأقول الحكماء والشعراء وغير ذلك، حتى بلغ التأثر بالناس مبلغه، وضجوا بالبكاء وكان للخليفة من ذلك نصيب كبير. إلا أنه وجد في نفسه على المنذر، وشكا إلى ولده"الحكم"ما لقيه من الشيخ، وقال: والله لقد تعمدني بالكلام، وقد أسرف علي وبالغ في تقريعي. وأقسم ألا يصلي وراءه مرة أخرى، وصار يصلي وراء أحمد بن مطرف خطيب جامع قرطبة.
هذه هي أقصى عقوبة كان بإمكانه أن ينزلها بالمنذر بن سعيد، لأنه يعرف له مكانته وقدره.
فرحم الله أولئك العلماء العاملين، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر غير خائفين في الله لومة لائمٍ، أو جبروت حاكم.
إنهم قوم شعروا بثقل الأمانة الملقاة على عواتقهم؛ فشمروا لحملها. وأيقنوا بحفظ الله لهم وتأييده إياهم، فبذلوا في سبيل إظهار دينه كل ما يملكون، ونصحوا للأمة حق النصح، فلا عدمت أمثالهم الأمة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.