خامسها: أنك - على أقل تقدير - قد تمنع حدوث غيره من المنكرات؛ لأن الذي يراك أنكرت منكرًا واقعًا؛ لا يستطيع أن يفرض عليك منكرًا جديدًا.
كما أن الإنكار يكون سببًا في عدم استقرار المنكرات في المجتمع، حتى تصبح كالمعروف، ذلك أن المنكر إذا نشأ عليه الصغير، وهرم عليه الكبير، ولم يوجد من ينكره فإنه يصبح حقًا ومعروفًا عند الناس يستغربون تركه ويتحاضون على فعله. أما إذا وجد في المجتمع أولوا بقيةٍ ينهون عن الفسادِ ويهتفون في الناس بأن ذلك منكر وشر، فهذا يكفي لحماية الموازين - وإن لم يستطع أولئك المصلحون تغيير المنكر - وقد يأتي من يغيره ويزيله بعدهم.
5 -وبعض الناس يخافون من الأذى، والأذى لا بد منه في هذا الطريق (( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا ) ) (سورة آل عمران 186) ولهذا أمر لقمان ابنه بالصبر في ذلك فقال: (( يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ) ) (سورة لقمان 17) .
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول (( المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم ) ) (1) فالأذى دليل على أن المرء - إن شاء الله - مؤمن وأنه يتحلى بصفات المؤمنين؛ لأن المؤمن يبتلى على قدر إيمانه.
6 -وهناك من يحجم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة أنه يخشى أن تحدث فتنة ونقول لهذا: إن الفتنة هي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولقد عاب الله - تعالى - على المنافقين أنهم تركوا الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم للغزو بحجة خوف الفتنة (( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا ) ) (سورة التوبة 49) .
فيا من ترك الإنكار خوفًا من الفتنة - بزعمه - إن أمامك فتنة قائمة واقعة، وهي المنكر، فكيف تترك إزالتها خشيةً من فتنةٍ متوقعة محتملة قد تقع وقد لاتقع؟! وقد يكون خوف الفتنة من سوء التقدير أو الجبن فإن الجبان يخاف من كل شيء، حتى من ظله ولذلك لاينكر شيئًا، قال الشاعر:
يرى الجبناء أن العجز عقل
وتلك سجية الطبع اللئيم