فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 55

هكذا ضحى الغلام بحياته؛ لأن الحكمة - بلا ريب - تكمن في هذا التصرف، فإن موت ذلك الفرد ترتب عليه حياة ألوفٍ مؤلفة من الناس، فبعد أن كانوا أمواتًا صرعى للكفر أصبحوا أحياء بالإيمان بالله تعالى.

وقد لايستطيع المرء أن يقدر موطن الحكمة في معالجة بعض القضايا، فينبغي له حينئذٍ أن يستشير غيره وأن يستنير برأيه ليكمل النقص الذي قصر به عن إدراك موضع الحكمة والموقف السليم , وقد قيل: الناس ثلاثة: رجل كامل - أي الكمال النسبي - وهو الذي له عقل ويستشير , ونصف رجل وهو الذي له عقل لكنه لا يستشير , والثالث لا شيء لا عقل له، ولا يستشير.

فاعمل على أن تكون الأول، فإن لم تبلغ ذلك فكن الثاني على الأقل وإياك أن تكون الثالث.

5 -الصبر: فإن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر معرض للأذى، فلا يليق أن ينزعج ويجزع ويترك مهمته أو يتبرم بها , ولذلك قال لقمان لابنه وهو يعظه (( يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزمِ الأمور ) ) (سورة لقمان 17) .

ذلك أن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مفروشًا بالورود والرياحين، بل هو ملي بالأشواك والصخور والمصاعب الجمة فمن لم يتذرع بالصبر خليق به أن يستطيل الطريق ويستثقل العمل فيتخلى عن المهمة الربانية الكريمة التي انتدب نفسه لها.

عجيب أمر بعضنا! يقول: عندي أخ أو زميل أو قريب لا يصلي أو يشرب الخمر أو ... . فإذا قيل له: انصحه واجتهد في نصحه، قال: عجزت عنه، أو قال: ما فيه فائدة! سبحان الله!! أين ذهبت (( فلبث فيهم ألف سنةٍ إلاخمسين عامًا ) ) (سورة العنكبوت 14) عن عقلك؟ أين الصبر الجميل؟ أين طول النفس؟ أين دأب الدعاة وإصرارهم؟

أمِن مرةٍ أو مرتين أو عشر مرات .. تقول عجزت .. أو لا فائدة؟

(1) رواه مسلم 3005

ربما أن الكلمة التي جعل الله نجاة هذا العاصي بسببها لم تصل إلى أذنه بعد .. وربما تبذر أنت البذرة ويأتي غيرك فيسقيها فتنبت وتثمر، لكن إياك أن تكون كالكسعى الذي يضرب به المثل في الندامة، حين رمى بسهامه ليلًا فظن أنها لم تصب فكسر القوس، فلما أصبح وجدها كلها قد أصابت الغرض فاغتم لكسر القوس غمًا لا يوصف .. فاحذر أن تكونه! إن للقلوب إقبالًا وإدبارًا، وللنفوس قتامةً وإشراقًا ومن المصلحة أن تتعاهد المدعو وقت إقباله وارتياحه بالكلمات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت