وأهم تلك الصفات:
1 -العلم: إذ لا بد أن يعلم أن هذا منكر؛ لينكره، وأن ذاك معروف؛ ليأمر به، وأن يعرف وجه كون هذا منكرًا وهذا معروفًا، وأن يعلم الطريقة المثلى للأمر والنهي.
وأما الذي ينكر عن جهل فقد يفسد أكثر مما يصلح وإنك لترى كثيرًا من الجهال ينكرون مالم يألفوه، وإن كان معروفًا في الحقيقة، ومن أمثلة ذلك أني صليت الفجر يومًا من الأيام إلى جوار أحد العوام، فبعد أن تنفلت راتبة الفجر، وتناولت المصحف لأقرأ شيئًا من القرآن؛ قال لي: لا ما يصلح هذا، لا بد إذا انتهيت من النافلة أن تسلم على من هو على يمينك، ثم تسلم على الذي يسارك ثم ترفع يديك وتدعو بما تريد، ثم تقرأ القرآن. فقلت له: سبحان الله هل تعلم دليلًا على مشروعية سلام الإنسان بعد النافلة على من هو على يمينه وعلى شماله؟ فقال: لا والله. قلت: هل تعلم دليلًا على مشروعية واستحباب رفع اليدين بعد النافلة؟ قال: لا ما أعلم , فقلت: لماذا تنكر إذن؟ فقال: علمني جزاك الله خيرًا فأخبرته أن هذه الأمور ليست سنة ينكر على تاركها، بل هي في هذا الموضع بالذات - بعد الصلاة فريضة أو نافلةً - غير مشروعة ومن أهل العلم من حكم ببدعيتها، وأما أصل السلام فمشروع، وأصل رفع اليدين بالدعاء مشروع ولكن التزامه بعد الصلوات النوافل هو محل النظر.
إذن فلا بد أن يكون المنكِر عالمًا على الأقل بما ينكر وبما يأمر به.
2 -الرفق والحلم: لا بد للآمر الناهي أن يروض نفسه على الرفق والحلم، فإن التشنج والانفعال قد يسبب إخفاقًا في إنكار المنكر بل قد يؤدي إلى مضاعفته واتساع دائرته. ولا ريب أن كثيرًا من المنكرات إذا رآها الغيور فإنه يغضب ويشتد، مهما كان فيه من الانضباط فليحرص على إلجام نفسه بلجام الرفق والحلم، ومراعاة المصالح.
كما أن المنكِر قد يجد من المنكَر عليه فظاظة أو ردا جارحًا فلا بد أن يقابلها بصدرٍ رحب، وبدون انفعالٍ، وأن يرد عليه بابتسامة لطيفة، أو بطرفةٍ تمتص الغضب، وتفوت الفرصة على صاحب المنكَر أن يستفز المنكِر.
3 -العدل: أي أن يكون المنكِرُ عادلًا، فلا يجور على صاحب المنكَر؛ فينسى فضائله ويضخم سيئاته وإنما يشهد له بحسناته وفضائله ويذكرها له فيأتي مثلًا إليه ويقول له: يا أخي أنت رجل فيك خيركثير، أشهد أنك تحافظ على صلاة الجماعة، ولديك من الفضائل كيت وكيت، ولكن:
ولم أرَ في عيوب الناس عيبًا
كنقص القادرين على التمام