فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 55

المثال الأول:

كان لأحد المترفين في بغداد بيت تعلو منه أصوات الغناء والطرب والمزامير واللهو، فطرق عليه بعض الصالحين الباب، فلم يستجب، وحاولوا ثانية وثالثة، فلم يستجيب لهم. وكان في بغداد قاريء بكاء مؤثر حسن الصوت، فجاء في أحد الأيام - وكان الناس مزدحمين في الشوارع - فجلس على عتبة هذا البيت الذي تعلو منه أصوات المنكرات، وأخذ بصوته العذب الجهوري يرتل القرآن، فاجتمع الناس إليه، وامتلأ الشارع بهم، وعلت أصواتهم بالبكاء والنشيج، حتى سمعهم الذين بداخل الدار، فخرج صاحبها وأخرج معه الطبول وسائر آلات اللهو، وسلمها للشيخ ليكسرها بيديه.

وعلى هذه الشاكلة استطاع هذا القارىء أن يغير المنكر عن طريق التشهير، بدون أن يتكلف وبدون أن يجافي الحكمة.

المثال الثاني:

ما فعله بعض الدعاة المعاصرين، حين علم عن إقامة حفل غنائي فيه لهو وطرب ومنكرات، وعجز عن إيقاف ذلك المنكر، فما كان منه إلا أن أخبر الصالحين، بأنه سوف يقيم محاضرةً في مكان مجاور لمكان المنكر، وفعلًا أقام المحاضرة وأخذ يتكلم بكلام مؤثر جيد، فانسحب الناس من مكان الحفل إلى المحاضرة، وأوقف الحفل الغنائي.

وهكذا أوصد الباب في وجه المنكر وأهله بطريقةٍ هادئةٍ لا مأخذ فيها على المصلح.

إن هذه الوسائل ليست سوى أمثلة أو نماذج لوسائل أخرى كثيرة يمكن أن يبتكرها الغيورون لإزالة المنكرات وتغييرها وحماية المجتمع منها، وسيجد المصلح أمامه مجالًا رحبًا للتفكير في تجديد الوسائل وتنويعها متى كان جادًا منفعلًا لقضية الإسلام، متحليًا بالعلم الصحيح الذي يفتح أمامه آفاق المجهول.

من الذي يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

لا شك أن جمهور الأمة إذا رأوا المنكرات غضبوا وغاروا وفار الدم في عروقهم، فإن وجدوا المجال الطبيعي للإنكار؛ اكتفوا به ولم يزيدوا عليه. والمجال الطبيعي في نظري أحد قناتين.

القناة الأولى: الجهات الرسمية المسئولة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت