إذن فأول ما يحدث هو التغيير بالقلب ثم التغيير باللسان ثم التغيير باليد من حيث الواقع.
لكن المراد من المسلم هو أن يغير بيده إن استطاع , فإن عجز لجأ إلى التغيير باللسان، فإن عجز كفاه أن يغير بقلبه، وذلك بأن يكره ذلك المنكر ويبغضه.
والإنكار بالقلب فرض عين على جميع المسلمين، وفي جميع الأحوال لأن القلب لا سلطان لأحدٍ من الناس عليه حتى يستطيع منع صاحبه من مقت المنكر وكرهه.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (( .. فإن لم يستطيع فبقلبه وذلك أي التغيير بالقلب أضعف الإيمان ) )وفي حديث ابن مسعود: (( وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خرذل ) ) (1)
أي أن الذي يرى المنكر فلا يتحرك قلبه ببغض ذلك المنكر والامتعاض له، ليس في قلبه إيمان البتة، فضلًا عمن يرى المنكر فيسر به ويفرح له عياذًا بالله تعالى.
وها هنا أمر جدير بالوقوف عنده، وهو (التلميح والتصريح في الإنكار) فإن الاسلام دعا إلى التدرج في هذا الأمر، بحيث يكتفي المنكر بالتلميح إن كان التلميح مجديًا، فإن لم يغن شيئًا انتقل المنكر إلى التصريح.
فقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول عندما يرى منكرًا (( ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟ ) ) (2) لأن هذا التلميح العام كان يكفي في كثير من الأحيان لرد صاحب المنكر عن منكره لكنه صلى الله عليه وسلم كان إذا وجد أن الموقف يحتاج إلى التصريح فإنه يصرح ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة , فقيل: منع ابن جميل, فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله ) ) (3) هكذا صرح النبي صلى الله عليه وسلم، بابن جميل، لأنه أصر على منع الزكاة. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يصلي مرة بأصحابه، فلما انصرف من صلاته قال (( يافلان ألا تحسن صلاتك! ألا ينظر أحدكم كيف يصلي! إني أراكم من وراء ظهري كما أراكم من أمامي ) ) (4) .
والشواهد على سلوكه صلى الله عليه وسلم، مسلك التلميح إذا أغنى والتصريح إذا دعت إليه الحاجة؛ كثيرة ومشهورة.
(1) رواه مسلم (50) (2) البخاري (5750) و (717) (3) البخاري (1399) ومسلم (983) (4) مسلم (423)