ثم كل مسلم حسب ولايته ومسؤوليته، فالوزير مسؤول عن رعيته ومدير الدائرة الحكومية مسؤول عن رعيته ومدير المؤسسة مسؤول عن رعيته والمدرس مسؤول عن رعيته والأب مسؤول عن أسرته ورجل الحسبة المكلف من قبل ولاة الأمور مسؤول عن القيام بمهمته بقدر المستطاع.
وهكذا نجد أن كل فردٍ في الأمة مطالب بأن يكون قيمًا على من ولاه أمرهم؛ من أدنى مسؤوليةٍ إلى أعلى مسؤولية.
وها هنا قضية خطيرة لا بد من إثارتها وهي أن كثيرًا من الناس اعتادوا أن يلقوا بمسؤولية إنكار المنكر على غيرهم، فيلومون - مثلًا - العلماء والأمراء لأنهم يستطيعون تغيير المنكر، ويتنصلون هم من المسؤولية تمامًا ولو اطلعت على بيت أحدهم فقد تجد فيه عشرات المنكرات لم يغيرها وكأنه ينتظر أن يأتي العلماء إلى بيته ليغيروها , وهذه العادة خطيرة وسيئة فإن كل فردٍ في المجتمع مسؤول عن إصلاح ما يستطيع إصلاحه لأنه جزء من المجتمع يجب عليه القيام بمهمته، كما يجب على العلماء وغيرهم أداء مهمتهم ولو أن كل مسلم قام بما عليه من الأمر بالمعروف النهي عن المنكر لصلحت الأمة وأفلحت، وظهر المعروف واختفى المنكر.
أما إذا ظلت تتدافع القيام بهذا الواجب، فالعامة تلوم العلماء وتطالبهم بالإصلاح، والعلماء يلومون العامة على خذلانهم لهم، وكل فئةٍ في المجتمع تلقي بالمسؤولية على غيرها فيظل المنكر قائمًا ممكنًا إلى يوم يبعثون.
مراتب الانكار
بين الرسول صلى الله عليه وسلم مراتب الانكار بقوله (( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإذا لم يستطع فبلسانه فإذا لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) ) (1) .
إذن فالمطلوب من المسلم حين يرى المنكر أن يغيره بحسب المستطاع متدرجًا في ذلك من أقوى صور الإنكار إلى ما هو دونها.
أما من حيث الواقع العملي فالذي يحدث أولًا هو تأثر القلب ونفوره وإنكاره للمنكر عندما يراه ثم يرسل القلب الأوامر إلى اللسان لينطق بإنكار ذلك المنكر على من واقعه واقترافه.
فإن امتثل وأقلع عن منكره فهذا هو المراد وإلا كان الانتقال إلى التغيير باليد.
(1) رواه مسلم (49) وأبو داود (1140) والترمذي (2173) والنسائي 8/ 111 وابن ماجه (4013) .