لكن لوتأملت في واقع كثير من البلاد الإسلامية التي كان يحكمها الإسلام ويشيع في أهلها المعروف؛ لوجدتها اليوم بلادًا علمانية تحكمها نظم غير شريعة الله، نظم تحمي الرذيلة وتحارب الفضيلة، فتجد مثلًا في جامعاتها الاختلاط نظامًا محتمًا وتجد محاربة الحجاب ووصف أهله بالرجعية والتخلف إلى غير ذلك من فنون الإغواء.
هكذا وقعت الأمة في براثن المنافقين، فسعوا جاهدين لسلخها عن دينها بسبب غياب المصلحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر عن الساحة، أو ضعفهم في أداء رسالتهم.
والمجتمع ميدان لصراع الفئتين (( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) ) (سورة التوبة 71) (( والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ) ) (سورة التوبة 67) فأي الفئتين غلبت، استطاعت أن تصبغ المجتمع بصبغتها.
ولذلك كانت قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قضية مصيرية يترتب عليها احتفاظ الأمة بمسارها الإسلامي، ولهذا السبب كان الأمر بالمعروف النهي عن المنكر في العهود المتقدمة يحظى بأشد العناية من المسلمين أجمعين فقد كان كل مسلم يشعر أنه مطالب بذلك في كل مجال وعلى سائر المستويات فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في بيته، وفي سوقه، وفي مسجده، وفي كل مكان، لا يفرق في ذلك بين صغير وكبير، ولا قريب أو بعيد، ولا معروف أو مجهول، ولا ذكر أو أنثى.
هكذا كانوا يشعرون أن ذلك الأمر دين يدينون الله به، فلم يكلوه بأكمله إلى جهة معينة ويلقوا باللائمة عليها إذا رأو منكرًا.
ومع ذلك كله عني المسلمون بنظام الحسبة الذي كان رجاله يقومون بمراقبة المجتمع عمومًا في كل شيء ويسعون لإصلاح ومنع جميع أسباب أذاه , فيمنعون الباعة من الغش وينصفون الدائن من المدين وإذا رأوا مثلًا بيتًا آيلًا للسقوط عالجوا أمره بما يناسب وإذا وجدوا شارعًا ضيقًا قاموا على توسيعه وإذا رأوا نزاعًا فضوه إلى غير ذلك من المهمات.
إذن كانت مهمة رجال الحسبة مهمة شمولية , أصبحت اليوم موزعة على عدة جهاتٍ من أنظمة مرورية وبلدية وتجارية وغيرها إلى جانب مهمة السلوك والأخلاق وإيقاف الناس عند حدود الله.
وما كان هذا الاهتمام البالغ بنظام الحسبة الذي ظهر بوضوح في عهد عمر بن الخطاب إلا لإدراك الأمة تلك الشعيرة في مسارها.