وهذا شبيه - إن أردنا أن نشبه - بما يطلقه الأطباء والمراقبون الصحيون على مجتمع ما، حين يصفون مجتمعًا من المجتمعات بأنه سليم صحيًا فهل يقصدون أن جميع أفراد هذا المجتمع أصحاء تمامًا؟! كلا .. إنما يقصدون أن الأمراض العامة، والأوبئة الفتاكة والمعدية لا توجد في ذلك المجتمع، أما وجود حالات مرضية فردية فأمر طبعي.
لكن الأمر الخطير القادح في سلامة المجتمع هو أن يعلن أصحاب المنكر منكرهم، ولا يستحيوا من إظهاره، إذ إن هذا يدل على هيمنة المنكر وأهله، وضعف المعروف وأصحابه.
إن هذا يشبه ذلك المجتمع الذي تفشت فيه جرثومة الوباء فأصبح الناس يستنشقونها مع الهواء ويشربونها مع الماء، ويتعاطونها مع الغذاء فلا يكاد يسلم منها إلا أقل القليل.
وهذا هو الشأن في المجتمعات التي تمكن للفساد، وتحمي الرذيلة، وتضع إمكانياتها المادية والمعنوية غطاءً قويا للمنكر، تعاقب من ينكره - ولو بلسانه - بقوة وحزم، وتحاصر الناس بالمنكر في أماكن تجمعهم، وأسواقهم، ومنتدياتهم، بل وفي عقر بيوتهم، حتى يتسلل المنكر إلى (( غرفة النوم ) )أو إلى (( مهاجع الأطفال ) )وما أخلق المؤمن بالصبر حينئذٍ .. إنه لصبر الجبال!.
أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
تبرز أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمة المحمدية من عدة نواحٍ، وبموجب أسباب مختلفة، لعل أهمها:
1.أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب خيرية هذه الأمة، وهو من خصائصها وميزاتها التي مَنَّ الله تعالى عليها بها من بين سائر الأمم؛ قال عز وجل: (( كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) ) (سورة آل عمران 110) وقال جلا وعلا: (( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعضٍ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) ) (سورة التوبة 71)
هذه هي صفة المجتمع المسلم وميزته التي جعلت هذه الأمة غرة في جبين الدهر، وتاجًا يتألق على مفرق التاريخ.