فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 55

لا يخلو مجتمع من منكر

وها هنا أمر لا بد من ملاحظته وهو أن وجود بعض المنكر في المجتمع الإسلامي على وجه الخفاء والقلة أمر طبيعي لابد من حدوثه، ولم يسلم من ذلك حتى مجتمع الجيل الفريد؛ صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام فقد كان في ذلك المجتمع منافقون والمسلمون أنفسهم وقع من بعضهم شيء من المعاصي، وفي الصحيحين عدة قصص من ذلك مثل قصة ماعز بن مالك الأسلمي - رضي الله عنه - الذي وقع في الزنا، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام نادمًا تائبًا إلى الله فقال له: يارسول الله زنيت، فطهرني، فيعرض عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وما يزال يردد النبي صلى الله عليه وسلم، اعترافه بالزنا عدة مراتٍ، حتى أقام عليه المصطفى، عليه الصلاة والسلام، حد الزنا (1) .

ومثل تلك القصة قصة الغامدية التي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، تشهد على نفسها بالزنا، وتطلب أن يقيم عليها الحد، ولما رأت أنه يريد أن يردها قالت: لعلك تريد أن تردني كما رددت ماعزًا، والله إني لحبلى من الزنا، فيأمرها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تذهب حتى تلد. وتذهب وتقضي مدة الحمل كلها وحرارة الندم تأكل قلبها، وتأتي بعد الوضع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ليقيم عليها الحد، فيأمرها أن تذهب حتى تفطم ولدها. وتمضي مدة الرضاع كلها وقلبها لا يزال يقظًا حيا يتفطر حسرةً. ثم تأتي بعد فطام الصبي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعها الصبي وفي يده كسرة خبز، لتؤكد للنبي عليه الصلاة والسلام أن ولدها أصبح غنيا عن رضاعها، فيأمر النبي - عليه الصلاة والسلام - برجمها (2) .

هكذا وقع في مجتمع الصحابة الأطهار شيء من المنكرات، لكنها حالات فردية مستترة مستخفية وكانت ضمائر الذين يبتلون بشيء من هذه المنكرات حية يقظة، فما أسرع ما يقودهم خوفهم من الله إلى التوبة النصوح الصادقة، بدون أن يحتاجوا إلى رقابة أومتابعة خارجية، ولذلك ذكر صلى الله عليه وسلم، أن ماعزًا مثلًا تاب توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم.

إذن فمجرد وجود معاص قليلةٍ مستحقة في المجتمع الإسلامي أمر لا مناص منه، ولا يقدح في سلامة المجتمع.

(1) البخاري (5271) ومسلم (1691) و (1695) ورواه أيضًا أحمد في المسند 2/ 453.

(2) رواه مسلم (1695) و (1696) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت