وقد شق الإسلام طريقه خلال ألف عام ببطء شديد بين الصينيين وبقوة، مراعيا صفات الصينيين الذين يتصفون بالبطْ والدقة والمحافظة على القديم. وقد أحبوا الإسلام وأحبوا المسلمين، فلمسوا فيه الفطرة، فقد اشتهر المسلمون بالتجارة والكد والنظافة، والتعاون والأمانة، ولذلك كانوا مميزين عن الصينيين وحالهم أجمل وأزين، وكثيرا ما كانوا يأخذون أولاد الفقراء من الوثنيين ويربونهم في حجر الإسلام، خصوصا عند حصول المجاعات. وكانوا يجمعون الزكاة في صناديق لكل بلد ينفقون منها في شدائدهم ويشدون بها عوز محاويجهم، فتجد المعدمين منهم قليلين، وعندهم الحنان والرأفة، وبسبب تجافيهم الأفيون وأنواع المسكرات كانت أجسامهم أحسن من اجسام غيرهم - فكانوا يفوقون الصينيين صورة ومعنى -. فلذلك كثر العساكر المسلمون، واعتمد عليهم الملوك كقادة وأمراء، وأكثروا من بناء المساجد، والمساجد في الصين على شكل معابد الأديان الصينية التي هي على شكل السرايا الملكية، ولم يسمح بتقليده لأهلها إلا لاحترامها، فكانت حرمة المساجد في قلوب الصينيين لا تقل عن حرمة معابدهم. ولا توجد المآذن إلا في مساجد القرى التي لا يسكنها إلا المسلمون، والسبب أن الكونفوشيوسيين يعتقدون أن البناء الأعلى يذل الأبنية الوطيئة ويشقيها، ولذلك فإن منازلهم متساوية الإرتفاع.
وفي المساجد أروقة للإدارة والتدريس، وسكن للطلبة والمسافرين [1] .
وفي عهد هذه الأسرة وصل البرتغاليون إلى الصين سنة 920 هـ / 1514 م.
وبانتهاء هذه الأسرة، إنتهى العصر الذهبي للمسلمين في الصين، وأخذ دورهم يؤول إلى إنحدار.
5 -أسرة تسينغ: الأسرة المنشورية: 1054 - 1329 هـ (1644 - 1911 م) : في عهد هذه الأسرة اشتدت الهجمة الصليبية على عالم الإسلام، فوصل الأوروبيون الصين، ووجدوا الإسلام يتغلغل في البلاد، فخافوا أن تتحول إلى دار إسلام، فبعثوا البعثات لدراسة الواقع في الصين ووضع الخطط للحد من نفوذ الإسلام وانتشاره، فقد بعثت روسيا مرة بعثا علميا جال في الصين وجاب آفاقها واطلع على دخائل أمورها فكان من جملة ما قرره تحذير روسيا من مستقبل الإسلام في تلك البلاد، لا لأنه ينمو ويتقدم، بل إذا أخذ يوما بزمام الدولة انقلبت هيئة الشرق الأقصى انقلابا عظيما، لأن الصين إسلامية ليست كالصين وثنية [2] .
ولما لم يكن الصليبيون يتمكنون من بسط سلطانهم على هذه البلاد الواسعة العظيمة، لذا لجأوا إلى أسلوبين من الدس والوقيعة لتحطيم الإسلام داخل هذه البلاد:
أ- فأثاروا في المسلمين روح الثورة والتمرد على الحكام الصينيين، وأمدوهم بالمال والسلاح إلى حد ما. ففصلوا بذلك المسلمين عن أهل الصين، وعزلوهم في محيط واسع في صراع غير متكافيء على المدى الطويل، وحدّوا بذلك من انتشار الإسلام.
(1) حاضر العالم الإسلامي ج 2 ص 227 - 228.
(2) نفسه ج 2 ص 229.