إكتسب المسلمون ثقة الملوك الصينيين والشعب الصيني، لما كانوا يتمتعون به من خلق وأمانة ونظافة واستقامة، فنالوا الإعجاب والمودة، وعاشوا في الصين حوالي الألف عام دون منغص. وهذه رحلة موجزة تبين أوضاعهم:
1 -أسرة تانغ: وعاصرت هذه الأسرة بداية الدعوة الإسلامية والعهد الأموي والعباسي، وانتهى حكمها سنة 295 هـ / 907 م: وتبادلت البعثات مع المسلمين فوصلت بين 31 - 184 هـ / 28 بعثة منها 16 بعثة أطلق عليها الصينيون (التاشي) أو (شي تاشي) وأضيفت إليها عبارة أصحاب الملابس البيضاء وهي إشارة إلى البعثات في عهد الأسرة الأموية، وأهمها البعثة في عهد سليمان بن عبد الملك عام 98 هـ / 716 م، و12 بعثة أطقلوا على أصحابها اسم (التاشي) أو (تشي تاشي) أي أصحاب الملابس السوداء، وهذا يعني أنها كانت في العصر العباسي [1] . كما استقرت بعض الجماعات المسلمة من التجار والعلماء على ساحل الصين الجنوبي في منطقة خوان فو (كانتون حاليا) أو الخنساء.
ووصل المسلمون إلى عاصمة الصين تشانغ آن، وأخذوا ينتشرون في مناطق متعددة. وقد زار ابن وهب الصين سنة 259 هـ وكتب عن أحوال المسلمين بها [2] .
واهتم حكام هذه الأسرة برعاية المسلمين واحترامهم. فقد نقل القلقشندي عن الشريف حسن بن الجلال السمرقندي وكان من السفار ومن جال الآفاق ودخل الصين وجاب آفاقه وجاس خلاله أنه قال:
"إن من عجائب ما رأى في مملكة القان (أي الخان) أنه مع كفره، في رعاياه من المسلمين أمم كثيرة، وهم عنده مكرمون محترمون، ومتى قتل أحد الكفار مسلما قتل القاتل الكافر وأهل بيته ونهبت أموالهم، وإن قتل مسلم كافرا لا يقتل به بل يطلب بديته، ودية الكافر عندهم حمار لا يطلب بغيره" [3] . وقد تحدث عن الملسمين التاجر السيرافي الذي سافر إلى الصين أكثر من مرة في كتاب سلسلة التواريخ واشترك معه أبو زيد من أهل البصرة، وفي هذا الكتاب صور كاملة لحياة المسلمين في الصين في النصف الأول من القرن الثالث الهجري [4] .
2 -أسرة سيونغ 295 - 678 هـ / 1279 م: في عهد هذه الأسرة بلغت قوة المسلمين ونفوذهم حدا جعل حكام تلك الأسرة يقرون المسلمين على من يختارون من ولاة المسلمين عليهم، وأصبحت لهم حقوق وامتيازات خاصة، فتولوا المناصب التي تتطلب أمانة كبيرة، ومن ذلك أنه عندما استحدث منصب مدير عام الملاحة في مدينة كانتون كان هذا المنصب قاصرا على
(1) بدر الدين حي - تاريخ المسلمين في الصين ص 17. وانظر د. فيصل السامر والأصول التاريخية للحضارة العربية الإسسلامية في الشرق الأقصى ص 120.
(2) نفسه ص 20، الكتاني ص 13، وانظر حاضر العالم الإسلامي ج 2 ص 245.
(3) حاضر العالم الإسلامي ج 2 ص 225.
(4) من رحلات العرب - إصدار مؤسسة ناصر الثقافية - بيروت ص 22.