كانت بلاد المسلمين تشهد نهضة علمية رائعة، وانتشرت المدارس والجامعات جنبا إلى جنب مع المسجد، فقد كان المسجد المدرسة الأولى للإسلام فكانت الحلقات والمناظرات في الكلام والأدب والشعر والفقه والحديث تقام فيه. وكانت المكتبات والكتب توضع في متناول كل محب للاستزادة من العلم، دون قيد ولا شرط، ومن مراكز الثقافة الإسلامية: بخارى، وسمرقند، وطشقند، وبلخ، ونيسابور، والري (طهران) ، وشيراز، وأصفهان، والقيروان، وجامع الزيتونة في تونس، وفاس، ومراكش، وقرطبة، واشبيلية، وغرناطة، وباليرمو، وباري.
وأهم المراكز الثقافية التي كان يؤمها ويرتادها الأوروبيون للعلم:
قرطبة في الأندلس، وباليرمو في صقلية، وباري في جنوب إيطاليا.
ففي سنة 360 هـ أم جماعة من رهبان دير ماري غالن جامعات الأندلس لدرس العربية وتحصيل معارفها، كما أقبل الرهبان البندكتيون يطلبون العلوم الإسلامية. ومن الذين أموا هذه المدارس البابا"سلفستر الثاني"وعدد كبير من أهل إيطاليا وفرنسا وجرمانيا وانكلترا، وكانت جامعة قرطبة من أعظم جامعات الدنيا تقرأ فيها العلوم الطبيعية والفلكية والكيماوية. [1]
ثالثا: الصلات التجارية بين الشرق والغرب:
لقد نمت التجارة وازدهرت في بلاد الإسلام في العصور الوسطى، وكان للمسلمين صلات تجارية مع معظم بلدان العالم، وامتدت تجارتهم إلى الشرق حتى وصلت الفلبين والصين، وإلى الغرب حتى وصلت بلاد الفرنجة، وإلى الجنوب حتى وصلت نيجيريا والحبشة وموزمبيق، وإلى الشمال حتى وصلت إلى بلاد الروس وسيبيريا وفنلندا، وأصبحت المدن الإسلامية مراكز حافلة بمظاهر التبادل التجاري البري والبحري ومنها: بغداد، والبصرة في العراق، والفسطاط، والاسكندرية في مصر، وسيراف، وأصفهان في فارس، وطرابلس وصيدا وبيروت في الشام، والمنصورة في الهند، واستفاد أهل دار الإسلام من التجارة فضلا عن الغنى والثروة المالية خبرة بشؤون الحياة ومعرفة بأخلاق الناس، فكان التجار دعاة للإسلام أينما حلوا [2] . وعلى الإجمال فقد كان المسلمون يتحكمون في الطرق التجارية وأهمها:
1 -طريق الخليج العربي: وتبدأ من جزر الهند الشرقية - اندونيسيا - وماليزيا إلى بحر العرب إلى مضيق هرمز إلى الخليح العربي - ومن ثم إلى شط العرب - وبغداد - والشام - وآسيا الصغرى وأوربا.
2 -طريق البحر الأحمر: وتبدأ من الهند وشرق افريقيا إلى المحيط الهندي - ومضيق باب المندب - والبحر الأحمر - وخليج السويس (بحر القلزم) - وغزة والاسكندرية - ثم إلى - أوربا.
3 -طريق البر الغربي:
وتبدأ من حيث تبدأ طريق البحر الأحمر - وتتجه برا عبر اليمن - الحجاز - الشام - أوربا.
4 -طريق البر الصيني - طريق الحرير -
ويبدأ من الصين إلى الهند عن طريق ممر خيبر - وخراسان - والعراق - والشام ومصر وبلاد المغرب وأوربا.
كان المسلمون يحملون في تجارتهم هذه: البهارات والبخور والتوابل والحجارة الكريمة والذهب وريش النعام والعاج من الهند وشرق افريقيا، واللؤلؤ من البحرين، والمر والبخور والحجارة الكريمة من اليمن، وغير ذلك من مواد التجارة.
(1) انظر الإسلام والحضارة العربية ج 1/ 242 - 247 وانظر دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي - د. عبد الرحمن بدوي نقلا عن صاحب صناجة الطرب في أخبار العرب ص 433 وانظر عبد العزيز الشناوي وكتابه أوربا في مطلع العصور الحديثة.
(2) انظر إن شئت كتابات ابن حوقل، والمقدسي، وابن خرداذبه، والمسعودي والإدريسي، وابن رستة، وابن بطوطة، وابن جبير.