الصفحة 38 من 543

وانهارت الامبراطورية الغربية عام 476 م وبقي البابا فأصبح يتدخل في السلطة الزمنية، وفي عام 800 م توج البابا"شارلمان"امبراطورا، وتجددت الامبراطورية باسم جديد:"الامبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة"، وكان شارلمان قد حضر إلى روما لنجدة البابا ضد مخالفيه. واتخذ البابا قصة التتويج ذريعة واعتبر نفسه أعلى من السلطة الزمنية، في حين اعتبر الامبراطور نفسه حاميا للسلطة الدينية فهو أعلى مستوى وأجدر بالطاعة. وظهر النزاع على تعيين الأساقفة وأصبح الصراع بين الدين والسياسة في دوامة عنيفة يتنازع البابا والامبراطور السلطة، وكان الشعب هو ميدان الصراع وهو الضحية تارة يجذبه رجال الحكم والسياسة وتارة يخضعه رجال الدين واللاهوت وهو في حيرة من أمره، وقد ظهر هذا التنافس على أشده في القرن الحادي عشر الميلادي وانتصرت فيه البابوية فيما يعرف بحادثة (إذلال كانوسا سنة 1077 م) ، فقد اضطر الامبراطور (هنري الرابع) أن يتقدم بخضوع وذلة نحو البلاط البابوي (البابا جريغوريوس السابع) في قلعة كانوسا شمال ايطاليا، ولم يسمح له البابا بالمثول بين يديه إلا بعد شفاعة الرجال، وبعد أن بقي أمام القلعة في برد الشتاء حافيا عاري الرأس لابسا الصوف ثلاثة أيام، فغفر له البابا زلته. ولكن الحرب تجددت، وكانت سجالا حتى ضعفت البابوية، وحل الأمر وسطا في"مؤتمر ورمز"سنة 1222 م بأن يقوم البابا بتعيين الأساقفة (رؤساء الكنائس) بحضور ممثلين عن الامبراطور. فهدأ الأمر إلى حين. فنشأ في أوربا (فكرة الحل الوسط) بالإضافة إلى اتساع الهوة بين الدولة والدين (فصل الدين عن الدولة) . وكل ذلك قاد إلى فكرة فصل الدين عن الحياة نهائيا.

أين ذلك من الإسلام والمسلمين في ذلك العهد؟ الإسلام لا يفصل بين الدين والدولة وليس في سلطة دينية وسلطة دنيوية - إنه الإسلام والإسلام فقط، فيه كل شيء من دين ودولة لا تنافر ولا فصل، فهو عقيدة وشريعة، نظام شامل يعالج شؤون الحياة جميعا فينظم علاقة الفرد بربه، عن طريق العبادات، وينظم علاقة الفرد بنفسه عن طريق الأخلاق. وينظم علاقة الفرد بالمجتمع عن طريق المعاملات، وكلها علاقات مترابطة متآلفة متوازنة لا يطغى أحدها على الآخر!

وبعد أن عرضنا حال أوربا المتخلفة في العصور الوسطى، وحال المسلمين المتقدمة المتحضرة، فماذا عن الصلات بين العالمين النصراني والإسلامي في تلك العصور؟

لقد كانت هناك صلات بين العالمين غير صلات الحرب والقتال التي تكلمنا عليها والتي سميت في وقت ما (بالحروب الصليبية) ومن وسائل الإتصالات:

أولا: المراكز الإسلامية من دار الإسلام في أوربا:

فقد كان المسلمون يسيطرون على معظم سواحل البحر الأبيض المتوسط، أي جنوب أوربا، فكانت بأيديهم شبه جزيرة"إيبريا" (إسبانيا والبرتغال) ، وصقلية وجنوب إيطاليا وجزر البحر الأبيض المتوسط، وكانت هذه المراكز مراكز اشعاع للحضارة الإسلامية تنشر ضوءها على جميع الأمم النصرانية في أوربا المظلمة. هذا وقد بدأت الحروب الصليبية في هذه الأماكن والمراكز واستطاع الأوروبيون دحر المسلمين وطردهم منها بعد أن استفادوا منهم.

ثانيا: ارتياد الطلبة الأوروبيين للجامعات الإسلامية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت