الصفحة 286 من 543

وقد رسمت الحدود دون اعتبارات إقتصادية، فالأراضي والمدن التي كانت من نصيب الباكستان لم يكن لها من الثروة المعدنية ولا من المراكز الصناعية مثل ما كان للهند، بل كانت شبه خالية تقريبا من ذلك، وهذا من أساليب الإنجليز الذين أهملوا المناطق الإسلامية، وركزوا الجامعات والمكتبات وعمليات إنشاء الطرق وكل مظاهر العمران الهامة في المناطق التي تسكنها أغلبية هندوكية، وهذا ما لاحظه نهرو، ولعله أهم أسباب موافقة نهرو على التقسيم، على أمل أن لا تحيا باكستان، وتكون الهندوكية قد تخلصت من المسلمين، ولعل هذا ما قصده الإنجليز حين خططوا خطوط الحدود. . . فقد قال نهرو:

"وإذا رسم التقسيم بحيث يفصل ما بين المقاطعات التي تقطنها أكثرية هندوسية، أو أكثرية إسلامية، فعندئذ تشتمل المقاطعات الأولى (الهندوسية) على الجزء الأعظم من الثروة المعدنية والمناطق الصناعية، وهكذا فإن المقاطعات الهندوسية لن تعاني كثيرا من وجهة النظر هذه".

ومن الناحية الثانية فإن المقاطعات الإسلامية سوف تكون متخلفة اقتصاديا وعاجزة ماليا في أكثر الأحيان، مقاطعات لن تستطيع الحياة بغير مقدار كبير من المساعدات الخارجية [1] وعلى ذلك فستضطر أن ترمي بنفسها في أحضان المستعمر.

وفي الوقت نفسه بقيت لهند الرقعة الواسعة، وبقيت لها دواوين الحكومة المجهزة، ووسائل مواصلاتها، وجيشها بجميع أسلحته، وموانيها ومطاراتها وكل مقومات الدولة. وأهم من ذلك كله بقيت الحياة تسير كما هي بنظامها المعهود وقوانينها المعروفة، فاستأنفت الحياة دون شعور كبير بنقص أو حاجة.

والباكستان كما ذكرنا منطقتان متباعدتان فهذا الوضع هو أحد الأوضاع الشاذة والصعبة في تكوين الدولة الجديدة، وسير حياتها، فهو وضع يتخلف عنه متاعب عديدة للدولة، من حيث الحكم والدفاع والإقتصاد والإتصال المباشر بين سكان الدولة الواحدة.

ويشكل الجزءان في الواقع دولتين منفصلتين عملا وزمنا وفكرا لا يربطهما إلا الإسلام، وهو أقوى الروابط لقيام الأمة، وقد قامت الدولة الجديدة على أساسه لتجابه تعصبا دينيا آخر، وفي هذا المجال اعتمدت باكستان الغربية على الروح الإسلامي لتوطيد الصلة بين الشطرين دون أن تلجأ إلى تدعيمها بالدعاية والجهد أو تكافح أعداءها.

لقد كان ينتظر المسلمون أن يعيشوا في ظل دولة إسلامية تحافظ على تنفيذ أحكام الإسلام بحذافيرها، ولكن الأمور جرت على غير ما يحبونه، إذ بينما كانوا ينتظرون دولة إسلامية تصان فيها الأخلاق وتمنع المنكرات ويرتفع فيها اسم الإسلام عاليا دون سواه، وإذ بهم يرون أنفسهم ولم يتغير عليهم شيء، إلا الأسماء في الوقت الذي أخذت فيه الأيدي الغربية تمتد إلى البلاد والمؤامرات تحاك. فالقائمون على الحكم مسلمون أو كانوا مسلمين وما كانوا يعرفون

(1) عبد المنعم النمر ص 340.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت