(1) سُئِلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقِيلَ لَهُ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ؟ فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم: (لاَ حَرَجَ) [1] .
(2) قال عبدالرجمن بن سابط رَحِمَهُ اللَّهُ: (كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدمون حجاجًا، فيَدَعُون ظهرهم، فيجيئون فيرمون بالليل) [2] .
(2) أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وقّت لنا أوّل الوقت للرمي، ولم يوقّت لنا آخره، ولو كان آخره غروب الشمس بينه لنا - صلى الله عليه وسلم -.
(3) من حدّد آخر الوقت بغروب الشمس، فتحديدٌ بلا دليل.
والأمر الثاني: لما في هذا القول من التيسير للحجاج، وذلك بتوسيع وقت الرجم [3] .
والقول بالرمي في هذا الوقت لا يثار حوله كثير كلام، والمحك عند الوقت الثالث الآتي ...
الوقت الثالث: جواز الرمي قبل الزوال [4] .
والقائلون بجواز الرمي في هذا الوقت يحتاج ذكر مذهبهم إلى تفصيل، فأقول وبالله التوفيق:
يرى الإمامان الجليلان طاووس بن كيسان اليماني، وعطاء بن أبي رباح جواز الرمي فيه مطلقًا [5] .
(1) أخرجه البخاري في: "صحيحه" (1648) ، من حديث ابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَ ـ مرفوعًا.
وفي الاستدلال بهذا الدليل نظر، لأنَّ السؤال وقع عن رمي جمرة العقبة في يوم النحر، لا الرمي في أيام التشريق، ثم إنَّ قول السائل: (بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ) ، لا يلزم منه أنَّه رمى في الليل، يقول الحافظ ابن حجر ـ رَحِمَهُ اللَّهُ ـ في: "فتح الباري" على تبويب البخاري:
(قَوْله:(بَابُ: إِذَا رَمَى بَعْد مَا أَمْسَى، أَوْ حَلَقَ قَبْل أَنْ يَذْبَح نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا) . أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ, وَسَيَاتِي الْكَلاَم عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده ... وَأَمَّا قَوْله: (إِذَا رَمَى بَعْدَمَا أَمْسَى) ؛ فَمُنْتَزَع مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْبَاب. قَالَ: (رَمَيْت بَعْدَمَا أَمْسَيْت) : أَيْ بَعْد دُخُول الْمَسَاء, وَهُوَ يُطْلَق عَلَى مَا بَعْد الزَّوَال إِلَى أَنْ يَشْتَدّ الظَّلاَّم, فَلَمْ يَتَعَيَّن لِكَوْنِ الرَّمْي الْمَذْكُور كَانَ بِاللَّيْلِ) أ. هـ
وقال رَحِمَهُ اللَّهُ في موضعٍ آخر:
(رِوَايَة اِبْن عَبَّاس: "أَنَّ بَعْض السَّائِلِينَ قَالَ: رَمَيْت بَعْدَمَا أَمْسَيْت"، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ بَعْد الزَّوَال لِأَنَّ الْمَسَاء يُطْلَق عَلَى مَا بَعْد الزَّوَال, وَكَأَنَّ السَّائِل عَلِمَ أَنَّ السُّنَّة لِلْحَاجِّ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَة أَوَّلَ مَا يَقْدَم ضُحًى، فَلَمَّا أَخَّرَهَا إِلَى بَعْد الزَّوَال سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ, عَلَى أَنَّ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مِنْ مَخْرَج وَاحِد لاَ يُعْرَف لَهُ طَرِيق إِلاَّ طَرِيق الزُّهْرِيِّ هَذِهِ عَنْ عِيسَى عَنْهُ, الاِخْتِلاِف فِيهِ مِنْ أَصْحَاب الزُّهْرِيِّ, وَغَايَته أَنَّ بَعْضهمْ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرهُ الْآخَر, وَاجْتَمَعَ مِنْ مَرْوِيّهمْ وَرِوَايَة اِبْن عَبَّاس أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم النَّحْر بَعْد الزَّوَال وَهُوَ عَلَى رَاحِلَته يَخْطُب عِنْد الْجَمْرَة) أ. هـ
(2) أخرجه ابن أبي شيبة في: "المصنف" (15320) بإسنادٍ صحيح عنه، ومعنى قوله: (يَدَعُون ظهرهم) ؛ أي: يأتون الجمرة مشيًا على الأقدام.
(3) تأمل! أنَّ التيسير في هذه المسألة للحجاج جاء تبعًا للدليل، وموافقًا له، لا مخالفًا له، وسيأتي مزيد إيضاح لهذه المسألة.
(4) المراد رمي الجمار في أيام التشريق، ولا يدخل في هذا الخلاف رمي جمرة العقبة في يوم النحر.
(5) الظاهر من كلام عطاء ـ رَحِمَهُ اللَّهُ ـ أنَّ الإجزاء فيمن رمى قبل الزوال خاصٌّ بمن جهل الحكم، وذلك دفعًا لمشقة الرمي مرة أخرى.
والظاهر من كلام طاووس أنَّ جواز الرمي قبل الزوال خاصٌّ باليوم الثاني عشر، وللمتعجل فقط، والله أعلم.
عِلمًا بأنَّه روي عنهما الرمي بعد الزوال.
انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة (14576) ، و (14580) ، و (14582) ، و "البيان" (4/ 350 ـ 351) .
أمَّا ما يُروى عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ فخاصٌّ باليوم الثالث عشر، لا الثاني عشر، ونصه: (إذا انتفخ النهار من يوم النفر الآخر؛ فقد حل الرمي، والصدر) ، وهو من أدلة أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وقوله: (انتفخ النهار) ؛ أي: ارتفع. وقوله: (النفر الآخر) ؛ أي: اليوم الثالث عشر.
وهذا الأثر أخرجه البيهقي في: "سننه الكبرى" (5/ 152) ، وضعفه بقوله عن أحد رجاله: (طلحة بن عَمْرو المكي ضعيف) أ. هـ
وأخرج ابن أبي شيبة في: "المصنف" (14578) ، من طريق: وكيعٍ، عن ابن جُرَيْج، عن ابن أبي مُلَيْكَة قال: (رمقت ابن عباس رماها عند الظهيرة، قبل أن تزول) . وهذا إسنادٍ جيد، فابن جُريج ثقة، وإن كان الأئمة رموه بالتدليس و الإرسال، وتكلّموا على روايته إذا لم يُصرّح بالسماع، إلا أنَّ الإمام يحيى بن سعيد القطان ـ رَحِمَهُ اللَّهُ ـ قال: (أحاديث ابن جُرَيْج، عن ابن أبي مُلَيْكَة كلها صحاح ... ) وهذا منها، والله أعلم.
انظر: "تقدمت الجرح والتعديل" (1/ 241) ، و "تهذيب الكمال" (3539) ، و "التقريب" (4221) .
وأخرج الفاكهي في: "أخبار مكة" (2664) ، بإسنادٍ صحيحٍ أنَّ عبدالله ابن الزبير ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ رمى قبل الزوال.
وأخرج بعده (2665) بسنده أنَّ ابن الزبير ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ رمى بعد الزوال.