فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 26

والذي يترجَّح في المسألة هو رأي الجمهور القائلين بمنع الرمي قبل الزوال، وأدلتهم [1] :

1 ـ قول الله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203] ، واليومان هما ـ بالاتفاق ـ يومي الحادي عشر، والثاني عشر، فمن رمى صباح الثاني عشر، لم يكنْ تعجَّل في يومين، بل تعجَّل في يومٍ وشيءٍ يسيرٍ من اليوم الثاني. أمَّا مَنْ رمى بعد الزوال، فقد تعجَّل ليومين، لأنَّه مكثَ يومًا كاملًا، وأكثرَ الثاني، وإذا مرَّ أكثرُ اليوم عُبِّر عنه باليوم، كما هي عادة الشارع.

2 ـ أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى بعد الزوال، وقال: (( لِتَاخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ ) ) [2] .

3 ـ أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بادر بالرمي حين زالت الشمس، ورمى قبل أن يصلي الظهر، وكأنه - صلى الله عليه وسلم - بفعله هذا يترقب زوال الشمس ليرمي ثم يصلي الظهر.

4 ـ لو كان الرمي قبل الزوال جائزًا ـ كالرمي يوم النحر ـ لفعله النبي - صلى الله عليه وسلم -، لما في ذلك فوائد؛ منها:

(1) أنَّ في ذلك فعلًا للعبادة في أول وقتها، وهو أمر محمود في الشرع.

(2) ولما في ذلك من التيسير على الأمة.

(3) ولما في الرمي قبل الزوال من تطويل لوقت الرمي، وهو ما تتمناه الأمة.

(4) ويؤد هذا قول عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ) [3] . فلمَّا لم يختر النبي - صلى الله عليه وسلم - الرمي قبل الزوال، وعدل إلى الرمي بعد الزوال مع ما فيه من تضييق الوقت، دلَّ على عدم جوازه، وأنَّهم إثمٌ، وهذا ظاهرٌ من نص الحديث، والحمد لله.

(1) سأكتفي بذكر أدلة القول الراجح لقوته، ولوجاهة أدلته، ولم أذكر أدلة القول الثاني، حتى لا يطول البحث، ومن أرادها فليسأل عنها من يقول بالرمي قبل الزوال، وليقارنها بنفسه مع أدلة هذا القول الذي قال به الجمهور، هذا إن كان طالب علم، ومتخصص في الدراسات الشرعية، أما إن كان صحفيًا فلا يعدُ قدره، وليأخذ بفتوى من يثق بعلمه ودينه، ولا يشغب على القول الآخر.

وإننا ـ هنا ـ وإن كنا نرى أنَّ الراجح في المسألة أنَّ الرمي لا يكون إلا حين تزول الشمس، أَّما قبل ذلك فلا يجزئه، وعليه الإعادة وجوبًا، وهذا ما ندين الله به في هذه المسألة، إلا أننا لا ننكر على من رمى قبل الزوال، من العلماء، أو طلاب العلم (وهم قلة) ، ولا ننكر عليهم إذا أفتوا الناس بذلك، فإنَّ هذا الأمر دينٌ، ولا نرى بأسًا على من رمى قبل الزوال من عامة الناس، ممن استفتوا من يثقون بعلمه ودينه، فأفتوهم بالجواز، ورميهم ـ إن شاء الله ـ صحيح، ولا شيء عليهم.

ونحنُ نعذرُ كلَّ هؤلاء، مع علمنا بأن لا أدلة لهم، فهل يعذروننا، مع علمهم بأنَّ الأدلة معنا؟!

(2) أخرجه مسلم في "صحيحه" (1297) ، من حديث جابر - رضي الله عنه - مرفوعًا.

(3) أخرجه البخاري في "صحيحه" (3367) ، ومسلم في "صحيحه" (2327) ، من حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت