فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 26

5 ـ لو كان الرمي قبل الزوال جائزًا، لرمى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو مرة واحدة، أو فعله بعض الصحابة - رضي الله عنهم - وأقرّه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد رُوي في مصادر السنة أنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - قدّموا وأخّروا في بعض المناسك، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لهم: (افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ) [1] ، وأخرجت لنا مصادر السنة الكثير مِمَّا فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -، في حجة الوداع، وكذلك الصحابة الكرام - رضي الله عنهم -.

6 ـ ذكر بعض أهل العلم أنَّ رمي الجمار يدخل ضمن المسائل الشرعية التي لا تُعرف بالقياس، بل بالتوقيف. وقالوا ذلك ردًا على من أجاز الرمي قبل الزوال قياسًا على الرمي يوم النحر [2] .

ومن خلال العرض السابق نرى أنَّه لم يقل بالرمي قبل الزوال من الأئمة غير أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وخالفه في ذلك صاحباه الإمامان الجليلان: محمد بن الحسن الشيباني، والقاضي أبو يوسف رَحِمَهُمَا اللَّهُ.

وبناء على ما سبق تبين لنا أنَّ قولَ أبي حنيفة - رضي الله عنه - مخالفٌ للأدلة من "الكتاب"، و "السنة"، وعمل كثير من السلف من لدن الصحابة - رضي الله عنهم - فمن بعدهم على خلاف قوله، يقول العلامة محمد الأمين الشنقيطي رَحِمَهُ اللَّهُ:

(اعلم أنَّ التحقيق أنَّه لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال؛ لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ...

وبهذه النصوص الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تعلم أنَّ قول عطاء وطاووس بجواز الرمي في أيام التشريق، قبل الزوال، وترخيص أبي حنيفة في الرمي يوم النفر قبل الزوال، وقول إسحاق: إن رمى قبل الزوال في اليوم الثالث أجزاه؛ كل ذلك خلاف التحقيق؛ لأنَّه مخالف لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الثابت عنه، المعتضد بقوله - صلى الله عليه وسلم: (لِتَاخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) . ولذلك خالف أبا حنيفة في ترخيصه المذكور صاحباه محمد وأبو يوسف، ولم يرد في "كتاب الله" ولا "سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - " شيءٌ يخالف ذلك، فالقول بالرمي قبل الزوال أيام التشريق، لا مستند له ألبتة، مع مخالفته للسنة الثابتة عنه - صلى الله عليه وسلم -، فلا ينبغي لأحد أن يفعله، والعلم عند الله تعالى) [3] أ. هـ

ولحساسية مسألة الرمي قبل الزوال، نجد أنَّها كانت محل اهتمام العلماء وطلاب العلم في وقتنا هذا، فقام جماعة منهم ببحث المسألة، وممن وقفت عليه:

(1) أخرجه البخاري في "صحيحه" (83) ، ومسلم في "صحيحه" (1306) ، من حديث عبدالله بن عمرو ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ مرفوعًا.

(2) انظر: "بدائع الصنائع" (2/ 138) .

(3) انظر: "أضواء البيان" (5/ 294 ـ 295) [باختصار] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت