الصفحة 8 من 21

ومستند الجميع واحد وهو النصوص الواردة فيما تخرج الأرض. ولكنها اختلفت فيها الفهوم. فقد ثبت في السنة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر بالزكاة في الأموال الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. وثبت أيضًا أنه لما بعث أبا موسى ومعاذًا ـ رضي الله عنهما ـ إلى اليمن ليعلما الناس أحكام الإسلام، أمرهما أن يأخذا الزكاة من هذه الأموال الأربعة.

فذهب ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ وتبعه آخرون إلى أن زكاة ما تخرج الأرض مقصور على هذه الأربعة، ولا يقاس عليها سواها.

وقد قاس مالك والشافعي ـ رضي الله عنهما ـ عليها ما فيه الصفة المشتركة بينها وهي صفة الاقتيات والتيبيس والادخار.

وقاس أحمد ـ رحمه الله ـ عليها ما يشبهها في أنه يكال كيلًا ويبقى وييبس، سواء أكان مما يقتات به أم لا، فأدخل بذلك التوابل كالكمون والفلفل، وكذا بذور الخضروات. فالقثاء والبطيخ مثلًا لاشيء فيها. أما بذورها ففيها الزكاة. ونحن لا نرى ميزة توجب التفرقة في التكليف بين كونه يكال كيلًا أو يوزن وزنًا فالكيل والوزن طريقة قياس للكميات. وكذلك صفة الاقتيات وعدمها لا تصلح أن تكون حدًا فاصلًا بين ما يخضع للزكاة وما لا يخضع من محصول الأرض الزراعية.

بل يتراءى لنا - بالنظر إلى حكمة التشريع ومقاصد الشريعة - أن غير الأقوات مما تخرج الأرض أولى بالتكليف من الأقوات، لأن مناط التكليف في الزكاة هو الغنى، كما يشير إليه حديث الأعرابي الذي جاء الرسول صلى الله عليه وسلم: فسأله:"آلله أمرك أن تأخذ هذه الأموال من أغنيائنا، فتردها في فقرائنا؟ قال نعم"وهو حديث في ذروة صحة الثبوت. ومن المقرر في أصول الفقه، أن نوط الحكم الشرعي بلفظ مشتق يؤذن بعِلّية الصفة المشتق منها، أي أنها هي علة الحكم. فحين يأمر الشارع بعقوبة الجاني مثلًا، يستفاد منه أن علة استحقاق العقوبة هي الجناية، وحين يأمر بإكرام العلماء وتوقيرهم يفهم منه أن علة ذلك هي علمهم.

فإذا قرر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله أمره أن يأخذ الزكاة من الأغنياء فيردها على الفقراء، فإن ذلك يفيد أن علة التكليف بالزكاة هي غنى المكلف، وأن علة استحقاق الفقير لها هي فقره، فَبِهِ كان مصرفًا لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت