من مدة غير بعيدة، حدثني بعض الزملاء المتتبعين لأحوال العالم الإسلامي عن إندونيسيا، وهي أكبر دولة إسلامية في عالمنا اليوم (وقد شاهدت ذلك بنفسي فيها حين زرتها قبل عامين) أن المذهب الفقهي السائد فيها هو المذهب الشافعي. ومعلوم أن المذهب الشافعي والمالكي يريان بشأن الزكاة فيما تنبت الأرض أن لا زكاة إلا فيما يُقتات ويُدّخر ويُيبّس من الحبوب والأثمار- كالحنطة والشعير والذرة والعدس والحمص والأرز وأشباهها. ويفسرون ما يقتات بأنه ما يتخذه الناس قوتًا غذائيًا مما يعيشون به في الحالات العادية غير الاضطرارية.
فلا زكاة عند المالكية والشافعية فيما لا يقتات الناس به عادة وإن كان مما يدّخر كاللوز والجوز والفستق والبندق وحب الهال والقرنفل وسائر الأبزار والتوابل.
وكذلك لا زكاة في الفواكه التي يقتات بها ولكنها ليست مما ييبس ويدّخر كالبرتقال والتفاح والرمان والخوخ وأمثالها. فلابد من اجتماع الصفتين أو الشريطتين معًا: كونه مما يقتات به، وكونه أيضًا مما ييبس ويدخر.
وقد ترتب على ذلك مفارقات وتناقضات عجيبة من ظهور بعض أنواع جديدة من الأموال والثروات الزراعية الثمينة في عصرنا هذا كالمطاط الذي تعتبر إندونيسيا من مراكز إنتاجه الكبرى في العالم. فملاّكو مزارع شجر المطاط الواسعة الشاسعة التي تنتج أهم الثروات ويعتبر أصحابها من أغنى الناس، ليس عليهم زكاة في محاصيلهم العظيمة من المطاط، بينما زارع قطعة أرض بالرز أو القمح أو الشعير عليه زكاة في محصوله.
فهذا التناقض والمفارقات الكبيرة في نتائج التطبيق المذهبي في الزكاة التي هي أبرز سمات العدل الاجتماعي في الإسلام، لا يمكن أن يستساغ بالمنطق الفقهي، فلابد من إعادة النظر في الفهم الفقهي للنصوص والأقيسة في ضوء الواقع ونتائجه.
وإن مذهب الحنفية في هذه الناحية أوجه المذاهب الفقهية وأجراها مع مقاصد الشريعة. فقد ذهب أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ إلى أن الزكاة تجب بمقدار العشر أو نصفه بحسب نوع الأرض في كل ما تنبته وتستغل به عادة، قوتًا كان أم لا، ومما يدخر أم لا، ومما يكال كيلًا (أي يقاس بالحجم) أم لا، وكل من هذه الأوصاف قد جرى فيه خلاف.