الصفحة 5 من 21

التنفيذ والتطبيق، ويغضي عن بيان مالا تدعو الحاجة العملية العاجلة إلى بيانه إذ ذاك، تاركًا للاجتهاد ما وراء ذلك من مسائل وتساؤلات قد تجول في نفوس المؤمنين نتيجة للتفكير في الاحتمالات والتوقعات، أو نتيجة لما يستجد أمامهم ويواجهونه من حوادث.

وطريق الاجتهاد هذا هو سر خلود الشريعة وقابليتها لأن تعايش العصور، وتماشي الحياة البشرية في تطورها، وتلبي حاجاتها، وتهديها سواء السبيل، بصورة لا يضيع معها الهدف الأساسي في صلاح الحياة الإنسانية عدلًا وفضلًا وسيرًا في طريق الوصول إلى الأفضل، وإلى معالجة المشكلات التي ستصادفها مسيرة الحياة بأكمل الحلول وأمثلها.

نخلص من هذا إلى نتيجة هي أن ما قررته المذاهب الفقهية. في تفاصيل أحكام الزكاة -كما في غيرها من أركان الإسلام- معظمه اجتهادي غير قطعي، بحسب ما رجح لدى كل من فقهاء السلف رضي الله عنهم من فهم لنصوص الكتاب في عموماتها، ولبيانات الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بينه لأصحابه.

وقد تدل الأحداث الزمنية، وتطور أنماط الحياة ووسائلها، أن بعض ما فهمه وقرره بعض فقهاء السلف الكرام أفضل مما فهمه وتبناه غيره، وأجرى مع حكمة التشريع ومقاصد الشريعة وعدالتها الحقوقية والاجتماعية.

وكذلك قد تدل الأحداث وتطور الحياة ووسائلها إن نصوص الكتاب والسنة وراءها احتمالات أبعد وأوسع وأشمل مما حدده بعض فقهاء السلف في بعض القضايا بحسب واقع الحياة في عصورهم، وقد أبرز هذه الاحتمالات إلى الساحة تطور الحياة ومستجداتها، واكتشاف آفاق فيها لم تكن منظورة، مما قد يجعل بعض الآراء الفقهية الاجتهادية محتاجًا إلى إعادة النظر في فهم النصوص، وتقرير الأحكام المناسبة في الموضوع بنظر اجتهادي جديد.

وإلا فما الفرق بين الأغذية الأربعة التي كانت هي الشائعة عند العرب (القمح والشعير والتمر والزبيب) في نظر من يقول من فقهاء السلف لا زكاة إلا فيها فقط مما تنبت الأرض الزراعية، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أوجب الزكاة فيها ولم يذكر غيرها فلا يزاد عليها كما لا يزاد في عدد ركعات فرائض الصلاة، ما الفرق بينها وبين الرزّ الذي هو المادة الأساسية للغذاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت