الصفحة 4 من 21

ومن المسلمات أيضًا أن اختلال التوازن، وانتفاء العدل في توزيع ثروة الإنتاج، هو من أهم عوامل النقمة والحقد والرفض والاكتئاب والثورات النفسية التي تنفي استقرار الإنسانية، وتفسد نماءها، وتعطل خيراتها، وتقسم المجتمع إلى فئات متعادية متصارعة، يهدم بعضها بعضًا.

ذلك أن سوء توزيع الثروة المالية في المجتمع يجعل أبناءه في أوضاع متناقضة بين جياع ومتخومين، بين مترفين مسرفين، وبؤساء محرومين، فتستغل فيه جهود الضعفاء الفقراء لمصلحة الأثرياء الأقوياء، ويفقد فيه التراحم. وإن مجتمعًا يسوده هذا الوضع هو مستنبت خصيب لجميع المشكلات والأوبئة الاجتماعية والتمزق.

فنظام الزكاة في الإسلام تحصين ومناعة للمجتمع، يعالج الداء من منبعه، وهو سوء توزيع الثروة المالية، ويجعلها ركنًا من أركان الإسلام الخمسة مرتبطًا بالعقيدة، كيلا يكون التهرب منه مغنمًا في نظر المؤمن.

ومن الخطأ أن ينظر إلى الزكاة على أنها فريضة تعبدية محضة كالصلاة، يطبق فيها النص الذي أوجبها دون تعليل ولا قياس، بل هي فريضة اجتماعية اقتصادية سياسية تحكمها العلل الموجبة، ويجري فيها القياس، وتسري فيها قاعدة المصالح المرسلة والاستصلاح كما في المعاملات، ويمتد حكمها على كل جديد من أنواع المال النامي، ومن صور الاستثمار والاستغلال التي لم تكن معروفة من قبل.

هذا، ومن المعلوم أن القرآن العظيم في موضوع الزكاة -كما في غيرها من أركان الإسلام وواجباته الأساسية- لم يأت بنصوص تفصيلية في جزئيات الأحكام، لأن الدخول في الجزئيات، يتعرج به خط السير بالفكر نحو الهدف القرآني العام في الهداية والإرشاد، فيحتجب ذلك الهدف العام، وتضيع أيضًا به روعة البيان البليغ المعجز الذي اختص به الكتاب الخالد.

لذا يقتصر القرآن على الأوامر الإجمالية في أركان الإسلام وواجباته العملية الأساسية من صلاة وزكاة وصيام وجهاد وسواها، ثم يحيل في كل ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم في تفصيل الأحكام وجزئياتها، بقوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) .

ثم إن الرسول نفسه كان يبين في حدود الحاجة العملية لأصحابه ما يحتاجون إلى بيانه في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت