وقد ثبت عندنا أن زنادقة الفلاسفة والملحدين يتأولون جميع الدين الإسلامي التوحيد والرسالة والمعاد والأمر والنهي بتأويل يرجع إلى أن القرآن والسنة كلها تخييلات وتمويهات لا حقيقة لها بالكلية، ويلبسون على الناس بذلك، ويتسترون بالإسلام وهو أبعد الناس عنه، كما ثبت أيضًا عندنا أنه يوجد ممن كان يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر، ويعظم الرسول وينقاد لشرعه، وينكر على هؤلاء الفلاسفة ويكفرهم في أقوالهم أنه يدخل عليه شيء من هذه التأويلات من غير قصد ولا شعور، لعدم علمه بما تؤول إليه، ولرسوخ كثير من أصول الفلسفة في قلبه ولتقليد من يعظمه وخضوعًا أيضًا، ومراعاة لزنادقة علماء الفرنج الذين يتهكمون بمن لم يوافقهم على كثير من أصولهم ويخافون من نسبتهم للبلادة وإنكار ما علم محسوسًا بزعمهم؛ فبسبب هذه الأشياء وغيرها دخل عليهم ما دخل، فالأمل قد تعلق بأمثالكم لتحقيق هذه الأمور وإبطالها، فإنها فشت وانتشرت، وعمت المصيبة بها الفضلاء فضلًا عمن دونهم، ولكن لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة يهتدي به الضالون، وتقوم به الحجة على المعاندين.
وقد ذكرت لحضرتكم هذه الأشياء على وجه التنبيه والإشارة، لأن مثلكم يتنبه بأدنى تنبيه، ولعلكم تجعلونه أهم المهمات عندكم؛ لأن فيه الخطر العظيم على المسلمين، وإذا لم يرى الناس لكم فيه كلامًا كثيرًا وتحقيقًا تامًا، فمن الذي يعلق به الأمل من علماء الأمصار؟