ويح من قال ذلك! لقد علم كل من عرف الحقائق أن هذه العلوم هي التي أوهنت قوى المسلمين، وسلطت عليهم الأعداء وأضعفتهم لزنادقة الفرنج وملاحدة الفلاسفة، وكذلك يبحث كثير منهم في الملائكة والجن والشياطين، ويتأولون ما في الكتاب والسنة من ذلك بتأويلات تشبه تأويلات القرامطة الذين يتأولون العقائد والشرائع، فيزعمون أن الملائكة هي القوى الخيرية التي في الإنسان، فعبر عنها الشرع بالملائكة، كما أن الشيطان هي القوى الشريرة التي في الإنسان، فعبر عنها الشرع بذلك، ولا يخفى أن هذا تكذيب لله ولرسوله أجمعين، ويتأولون قصة آدم وإبراهيم بتأويل حاصله أن ما ذكر الله في كتابه عن آدم وإبراهيم ونحوهما لا حقيقة له، وإنما قصد به ضرب الأمثال.
وقد ذكر لي بعض أصحابي أن مناركم فيه شيء من ذلك، وإلى الآن ما تيسر لي مطالعته، ولكن الظن بكم أنكم ما تبحثون عن مثل هذه الأمور إلا على وجه الرد لها والإبطال كما هي عادتكم في رد ما هو دونها بكثير.
وهذه الأمور يكفي في ردها في حق المسلم المصدق للقرآن والرسول مجرد تصورها، فإنه إذا تصورها كما هي يجزم ببطلانها ومناقضتها للشرع، وأنه لا يجتمع التصديق بالقرآن وتصديقها أبدًا، وإن كان غير مصدق للقرآن ولا للرسول صار الكلام معه كالكلام مع سائر الكفار في أصل الرسالة وحقيقة القرآن.