الصفحة 9 من 16

من أعظم العلماء المصلحين في ذلك الوقت الشيخ عبدالقادر الجيلاني الحنبلي (470-561) . وكان قد اعتزل الناس للتأمل وتهذيب النفس عشر سنين ثم عاد للإصلاح. وقد بدأ عام 521 ه وعمره50 سنة في الجلوس لوعظ الناس وإصلاحهم، وبدأ مجلسه بالرجلين والثلاثة، ثم تزاحم الناس حتى صار مجلسه يضم سبعين الفًا (31) . ثم تزايد الإقبال عليه، وصار الناس يجيئون إليه، ويتوب عليه الخلق الكثير (32) . وقد تبنى الشيخ عبدالقادر مدرسة لإخراج جيل من العلماء الذين يقودون الناس إلى الصلاح، واكتمل بناؤها سنة528 ه، وجعل الدراسة فيها لكتب الفقه والحديث والقراءات وغيرها، واستبعد كتب الفلسفة والكلام (33) .

وقد خصص لعامة الناس ثلاث جلسات للوعظ في صباح الجمعة، ومساء الثلاثاء في المدرسة، وصباح الأحد في الرباط، ودونت مواعظه باليوم والتاريخ في كتابه: الفتح الرباني.

وقد كانت خطبه نارية تلهب الحماس في الجالسين ، وكان كثيرًا ما ينتقد فيها العلماء الذين يأكلون بدينهم، ويسكتون عن قول الحق، كما لم يسلم من النقد موظفو السلاطين الذين يطيعونهم في معصية الله؛ بل إنه رحمه الله كان ينكر على الخليفة الظلم إذا حضر موعظة؛ من مواعظه كما في كتابه المذكور.

فمن أقواله في مواعظه:"ملائكتكم تتعجب من وقاحتكم، تتعجب من كثرة كذبكم في أحوالكم، تتعجب من كذبكم في توحيدكم، كل حديثكم في الغلاء والرخص، وأحوال السلاطين والأغنياء. أكل فلان، لبس فلان، تزوج فلان، استغنى فلان، افتقر فلان.." (34) ، وكما هو ظاهر فالجيلاني يسلك طريق النقد الذاتي باستخدام الهجوم والتغليظ كما هو واضح في كتابه الفتح الرباني

وقد اهتم بالفقراء والغرباء فكان يؤويهم ويطعمهم، ويحضرون دروسه في مدرسته؛ (35) ولذا أحبه الناس، وتاب على يديه معظم أهل بغداد (36) ، وقد قال عن نفسه:"وقد تاب على يدي من العيارين والمسالحة أكثر من مائة ألف وهذا خير كثير" (37) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت