الصفحة 88 من 416

البصرة: (( وكان أبو زيد وأبو عبيدة يخالفانه ويناوئانه كما يُناوئهما، فكلّهم كان يطعن على صاحبيه بأنه قليل الرواية ) ) [1] .

إن مبررات وجود مذهب خصم ساعد على نفاذ هذه الأحكام بين علماء المذهبين، ثم استباح بعضهم حرمة بعض حتى داخل المذهب، ولعل أخطر ما في هذه الأحكام هو أنها قد صدرت عن علماء كبار ثقات؛ لا يشكُّ أحد بمكانتهم في العلم وتقدمهم فيه، ولكن مع هذا صار التسليم لمثل هذه الآراء أمرًا لا يبعث على الاطمئنان؛ فلا تكفي مكانة العالم في ذلك - بعد الذي ذكرنا - حتى يقطع الشك باليقين من حجّةٍ أو دليل. فقد ورّطت هذه الأحكام بعض العلماء في مواقف حرجة لأنهم سلّموا لها وقالوا بها، من ذلك ما جرى لابن دريد (ت 321 هـ) إذ طلب منه القاضي أبو عمر محمد بن يوسف [2] أن يحكم له على نحوٍ من ثلاثين مسألة في النحو كان قد أملاها على ولده أبو عمر الزاهد غلام ثعلب، وكان مؤدبًا له، فاستعان إبن دريد في حكمه على هذه المسائل بما راج عن أبي عمر من كذب وما نُسب إليه عن تزيّد، فقد (( كان لسعة حفظه يطعن عليه بعض أهل الأدب ولا يوثقونه في علم اللغة ) ) [3] ؛ فما لبث إبن دريد إلا أن أجاب القاضي بقوله: (( هذه المسائل من موضوعات أبي عمر الزاهد ولا أصل لشيء منها في اللغة وانصرفوا، فبلغ ذلك أبا عمر فاجتمع القاضي وسأله إحضار دواوين جماعة من قدماء الشعراء عينهم، ففتح القاضي خزانته وأخرج له تلك الدواوين، فلم يزل أبو عمر يعمد إلى كل مسألة منها ويُخرج لها شاهدًا من تلك الدواوين ويعرضه على القاضي حتى استوفى جميع المسائل ثم قال: وهذان البيتان أنشدهما ثعلب بحضرة القاضي وكتبهما القاضي بخطه على ظهر الكتاب كما ذكر أبو عمر وانتهت القصة إلى إبن دريد، فلم يذكر أبا عمر الزاهد بلفظة إلى إن مات ) ) [4] ، لأنه كان قد إعتمد في حكمه على ما شاع عن أبي عمر من كذب وتزيّد، وهو بحكمه هذا شارك غيره ممن روّج على أبي عمر هذه الأحكام؛ فجعل نفسه غرضًا للنقد بعد أن كان أبو عمر غرضًا لسهامه ولسهام غيره من العلماء.

إن أكثر علماء العربية كان قد شارك في هذه الأحكام وتورط أكابرهم فيها، وممن عُرف

بذلك أبو حاتم السجستاني ومواقفه مع العلماء كثيرة فقد أبدى حرصًا على أن تنال أحكامه القريب والبعيد، لا يفرق فيها بين كوفي أوبصري. قال في الكوفيين؛ منهم الرواسي: (( مطروح العلم ليس بشي ) ) [5]

(1) نزهة الالباء: 206.

(2) معجم الادباء: 18/ 229، 230.

(3) مراتب النحويين: 24.

(4) هو أبو عبد الرحمن المفضل بن محمد بن يعلي بن سالم بن أبي سلمى الضّبي، كان ثقة من أكابر علماء الكوفة في اللغة، أخذ عنه أبو زيد الأنصاري من البصريين لثقته، جمع المختار من الأشعار في كتاب عرف بـ (المفضليات) وكان أصحها التي رواها عنة إبن الإعرابي. ينظر: نزهة الالباء: 51/ 53.

(5) طبقات النحويين واللغويين: 193.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت