لا عجب بعد ذلك أن نلتمس أقسى الأحكام عند أكابر العلماء بحق الأكابر منهم؛ كالذي كان بين إبن الأعرابي (ت 150 هـ) [1] وبين الأصمعي وأبا عبيدة، وقد ناصبهما العداء وطعن في مروياتهم، وهو الذي يصفه الجاحظ (ت 255 هـ) بأنه كان (( نحويًا عالمًا باللغة والشعر، ناسبًا كثير السماع ... راوية للأشعار حسن الحفظ لها، ولم يكن أحدٌ من الكوفيين أشبه روايةً برواية البصريين منه. وكان يزعم أن الأصمعي وأبا عبيدة لا يحسنان قليلًا ولا كثيرًا ) ) [2] ، و (( قال في كلمة رواها الأصمعي: سمعت من ألف أعرابي خلاف ما قاله الأصمعي ) ) [3] .
إن التسليم لمثل هذه الأحكام أمر يبعث على التردد، فكيف وقد صدرت عن إبن الأعرابي!؟ ولكن بحق مَنْ!؟ بحق الأصمعي وأبي عبيدة! ولكن الأصمعي هو الآخر على تقدمه في العلم كان يطعن على علماء الكوفة ويرميهم بأقبح ما رموه هم به لاسيما حمّاد الراوية (ت 156 هـ) ، قال فيه (( جالست حمّادًا الراوية فلم أجد عنده ثلاثمائة حرف، ولم أرض روايته، وكان قديمًا ) ) [4] . وكان حمّاد الأقرب إلى سهام البصريين، وقد رموه بالكذب والتزيد واللحن [5] .
ردّ الدكتور نعمة رحيم العزأوي بعض هذه الحكام إلى العصبية الناشئة عن تحزب البصريين إلى مذهبهم، فقال: (( ويدلّنا عل أن الحكم على حماد باللحن باعثه الخصومة، أن أبا عمرو بن العلاء - وهو بصري عاش قبل نشوب الخلاف بين البصريين والكوفيين - كان يزكّي حمادًا، ويثني على علمه ) ) [6] ، ثم قال: (( ونستطيع أن نحمل على هذا أيضًا ما نُسب على الفراء الكوفي من لحن في مجلس الرشيد ) ) [7] ،إذ كان طبيعيًا أن يُرمى الفراء بما كان قد رمى سيبويه به، وقد مرّ.
ومع رواج هذه الأحكام لم يسلم منها حتى علماء المذهب بما ركسته في نفوسهم من تنافر وتحاسد ليس لشيء إنما لدعوى العصبية وحسد الصنعة، لذا إبتعدت هذه الأحكام كثيرًا عن الغاية التي وجدت لاجلها؛ والنحاة كما يصفهم الأستاذ أحمد أمين: (( لم يبلغوا في ذلك مبلغ المحدّثين في دقّة التحري والتقصّي ) ) [8] بل لم يمنحوا أحكامهم المكانة اللائقة والوثاقة المطلوبة، فأقران الأصمعي لم يكونوا بمنجاةٍ مما رمى الكوفيين به. قال أبو الطيب اللغوي واصفًا علاقة الأصمعي بأقرانه من علماء
(1) . معجم الأدباء: 18/ 190.
(2) مراتب النحويين: 73.
(3) ينظر: المصدر نفسه: 72ـ73.
(4) النقد اللغوي عند العرب: 112.
(5) المصدر نفسه.
(6) ضحى الإسلام: 2/ 259.
(7) مراتب النحويين: 50.
(8) هو أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل، من أصحاب أبى إسحاق إسماعيل بن إسحاق، كان حاجبًا لإسماعيل هذا ثم ولي القضاء بعده، ثم ولي إبنه الحسن بعبد أبيه؛ وكان يقال: إسماعيل بحاجبه، وأبو الحسن بابيه، وأبو عمر بنفسه، وكان المدح في الجميع راجعًا إلى أبى عمر. ينظر: طبقات الفقهاء: 139.