الصفحة 86 من 416

الكتاب، فجمعوا أصوله ومسائله من أقوال الخليل، ثم صنّفوها أبوابًا، وسووا الأبواب كتابًا ولا مزيد ... فأنت من حيث نظرت الى هذه القصة لا ترى إلا شكًا وغمطًا. وما أراك ملومًا ولا متحيزًا إذا عددتها مثلًا من أمثلة المنافسة والعصبية في الصناعة )) [1] . قال الإمام الرازي (ت 606 هـ) : (( إن أصل الكتب المصنفة في النحو واللغة(كتاب) سيبويه وكتاب (العين) . أما كتاب سيبويه فقدحُ الكوفيين فيه وفي صاحبه أظهر من الشمس )) [2] . إذًا فثعلب لم يكن متفردًا فيما ذهب إليه، وإن رأي غيره من علماء الكوفة لايختلف كثيرًا عن رأي ثعلب فيه، ولنستمع إلى الزجاج فيما يرويه فيه عنهم. قال: (( دخلت على أبي العباس ثعلب(رحمه الله) في أيام أبي العباس محمد بن يزيد المبرد وقد أملى شيئًا من المقتضب، فسلّمت عليه وعنده أبو موسى الحامض، وكان يحسُدُني شديدًا، ويجاهرني بالعداوة، وكنت ألينُ له، واحتمله لموضع الشيخوخة، فقال لي أبو العباس: قد حَمَل إليّ [أبو موسى الحامض] بعض ما أملاه هذا الخلديُّ [المبرد] ، فرأيته لا يَطُوعُ لسانه بعبارة، فقلت له: إنه لا يَشكُّ في حسن عبارته إثنان، ولكن سوءَ رأيك فيه يعيبه عندك، فقال: ما رأيته إلا ألْكَنَ مُتغلقًا. فقال أبو موسى: والله إن صاحبكم ألْكَنَ يعني سيبويه، فأحفَظَني [وأغاظني] ذلك، ثم قال: بلغني عن الفراء أنه قال: دخلت البصرة فلقيت يونس وأصحابه، فسمعتهم يذكرونه بالحفظ والدراية وحسن الفطنة، فأتيته فإذا هو أعجم لا يفصح، سمعته يقول لجاريةٍ له: هات ذيك الماء من ذَاكِ الجَرةِ، فخرجت من عنده ولم أعُد إليه، فقلت له: هذا لا يصحُّ عن الفراء، وأنت غير مأمون في هذه الحكاية، ولا يعرف أصحاب سيبويه من هذا شيئًا، كيف تقول لمن يقول فيّ أول كتابه: هذا بابُ علمْ ما الكِلمُ من العربية؟ [3] وهذا يَعجزُ عن إدراك فهمه كثير من الفصحاء، فضلًا عن النطق به ... )) [4] وهي مناظرة طويلة [5] يتراشق الطرفان فيها تهمًا خطيرة أقلّها القدح بوثائق بعضهم بعضًا؛ وبعلميته وأمانته، فكلّهم يفتقد الأمانة في خصمه؛ والوثاقة في محفوظه ومروياته. قال الإمام الرازي: (( وأيضًا فإن إبن جنّي أورد بابًا في كتاب(الخصائص) في قدح أكابر الأدباء (النحاة) بعضهم في بعض وتكذيب بعضهم بعضًا، وأورد بابًا آخر في أن لغة أهل الوبر أصحّ من لغة أهل المدر وغرضه من ذلك القدح في الكوفيين )) [6] .

(1) كتاب سيبويه (هارون) : 1/ 12، وقد قدّر السيرافي قي شرحه على الكتاب:1/ 45 - 51 خمسة عشر وجهًا يخرج إليها معنى هذه العبارة.

(2) معجم الأدباء: 1/ 137 -1/ 138.

(3) ينظر: المصدر نفسه: 1/ 137 - 142، وقد سبقت الإشارة إلى هذه المناظرة وردّ الجواليقي على إعتراضات الزجّاج فيها.

(4) الإقتراح:62.

(5) هو أبو عبد الله محمد بن زياد بن الأعرابي من موالي بني هاشم، كان نحويًا عالمًا باللغة والشعر ناسبًا كثير السماع من المفضّل الضبّي، وكان المفضّل زوج أمه. ينظر: بغية الوعاة: 1/ 105 - 106.

(6) بغية الوعاة: 1/ 105.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت