الصفحة 85 من 416

النقد التي إن أعطت للفراء فرصة تخطيء الكسائي، فقد منحت الكسائي فرصة للرد والدفاع عن رأيه. ومهما يكن من شيء فأن موقف ثعلب وسَلَمَة من حكم الفراء يفسر لنا جليًّا إستعداد العلماء في التصدي لمثل هذه الأحكام ودفعها بكل وسيلة ممكنة حتى لا تفتح بابًا أمام كل طامع للنيل من العلماء والوقوع فيهم.

ومع ما أبدى العلماء من عناية في التصدي لمثل هذه الأحكام؛ فقد لقيت رواجًا كبيراَ لأنها في الغالب لا تستند إلى نصٍّ نقدي، فضلًا عن إفتقارها إلى الدليل، فهي أشبه بالكلام من جهة اللغو؛ وأشبهت النقد من جهة الحكم، وصار بعضهم يتعلّق بها بأدنى سبب، متخذًا من فكرة وجود مذهب خصم مسوّغًا للتنفيس عن خلجات نفسه وتلبيةً لمنازع أهوائه للطعن على علماء المذهب الآخر والوقوع فيهم، حتى صار علماء الفريقين- كما يقول إبن جنّي: (( بعضهم يهجن بعضًا، ولا يترك لهم في ذلك سماءً ولا أرضًا ) ) [1] . فثعلب نفسه كان إذا تعلق الأمر بالكسائي ـ كما رأينا ـ دعا الفراء الى التثبّت، وطالبه بالدليل، أما إذا تعلق الأمر بسيبويه لم يجد بدًّا من أن يرميه بما يُرمى به الخصم وهو الإمام العالم، فرأيه في وثاقة سيبويه ومكانته بين العلماء تبدو واضحةً تمام الوضوح في قوله: (( إجتمع على صنعة كتاب سيبويه ثنان وأربعون إنسانًا منهم سيبويه، والأصول والمسائل للخليل ) ) [2] . وتساءل الدكتور حسن عون متعجبًا: كيف يمضي سيبويه في تصنيفه هذا الكتاب الضخم من غير أن يشير الى المصادر التي استقى مادته منها؛ وهو الحريص على أن ينسب الآراء الى أصحابها!؟ [3] . أما الأستاذ علي النجدي ناصف فقد دحض هذا الزعم من الأساس بجملة من الأسئلة المنطقية. قال: (( مَنْ هم هؤلاء الأربعون أو الأحد والأربعون؟ أَمَا يعرفهم ثعلب أو يعرف بعضهم؟ وماله لايذكر أسمائهم أو أسماء من يعرف منهم، فتتضح الحقيقة ويكون الناس على بيّنة من الأمر؟ وماذا كانت علاقة هؤلاء السادة بسيبويه؟ أكانوا شركاء من أنداده؟ أم أعوانًا من تلاميذه؟ أم كانوا نسّاخًا يكتبون ما يؤمرون؟ فإن كانوا من أنداده فكيف رضوا أن يستأثر سيبويه بالكتاب، يدّعيه خالصًا له، ثم لايذكرهم فيه بكلمة أو يعترف لهم فيه بعمل؟ وكيف سكت معاصروه وخلفاؤه في الكتاب عن هذا الغصب، لايبدئون ولايعيدون حتى جاء ثعلب فعنى به وكشف عن وجه الحقيقة فيه؟ وإن كانوا من تلاميذه فالمعروف أن تلاميذه كانوا أربعة أو خمسة ... وإن كانوا نسّاخًا بين يديه فكيف يُقال إنهم إجتمعوا معه على تصنيف الكتاب، وإنه مازاد على إن كان واحدًا منهم؛ وأحسب أنْ لو قيل مثل هذا عن تلاميذه ـ إذًا صحّ أنهم أعانوه ـ لكان تزيّدًا في الوصف وشططًا في الحكم، ولتوقع الناس منهم إذا عملوا به أن ينكروه ويبرءوا الى الله منه. على أن ثعلبًا ـ غفر الله له ـ لم يكتف ب بكل أولئك في الحديث عن نصيب سيبويه من الكتاب، فأضاف أن(الأصول والمسائل للخليل) . وإذًا لقد كان سيبويه واحدًا من إثنين وأربعين تشاركوا في

(1) ينظر: دراسات في اللغة والنحو العربي: 62.

(2) سيبويه إمام النحاة: 129 ـ 130

(3) الإقتراح: 62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت