فيه إبن السكِّيت: كتبت عنه قمطرًا ثم تبينت أنه يكذب في اللغة فلم أذكر عنه شيئًا )) [1] .
كان من دواعي اللجوء إلى هذا اللون النقدي من قبل النحاة أول الأمر هو لتوثيق الرواة وتصحيح الشواهد لاسيما في المرحلة التي شهدت استقراء اللغة وتقعيدها؛ فكان لابدّ من أن توثّق الأخبار، وتصحح الآراء، وتجرّح الرجال ويعدّلون بأحكام وصفية دقيقة كهذه.
إتسمت هذه الأحكام الوصفية أول الأمر كغيرها من الألوان النقدية بالدقّة والصدق والجدّيّة، فقد حرص النحاة على أن تحمل أحكامهم تلك قيمة نقدية مُعترف بها، ففي طبقات الزبيدي؛ أن يحيى بن يعمر (ت 229 هـ) [2] (( كان مأمونًا عالمًا ) ) [3] ، وفيه؛ أن أبا عمرو بن العلاء (( كان من جلّة القُرّاء والموثوق بهم ) ) [4] ، وكان يونس يقول فيه: (( لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله كلّه في شيء واحد لكان ينبغي لقول أبي عمرو أن يؤخذ كلّه ) ) [5] ، ومرّ نظير هذه الأقوال في الخاصّة من العلماء في موضوع المحاكّمات والموازنات النحوية، إلا أن هذه الأحكام - على أهميتها - أخذت تنحرف تدريجيًّا عن المسار الذي رُسم لها؛ فسرعان ما تأثرت بالعصبية للمذهب وغلب عليها حسد الصنعة، وصار العلماء يسلِّمون لكل ما قيل أو يقال؛ فأخذت قيمة هذه الأحكام تبعًا لهذا الانحسار تقلّ شيئًا فشيئًا حتى أصبحت فيما بعد وبالًا على العلماء، وبدل أن يتلقى العلماء هذه الأحكام بالقبول؛ راحوا يتصدون لها وبكل وسيلة، الأمر الذي جعل النقّاد يكونون أكثر تثبتًا في كل ما يصدر عنهم من أحكام لئلا يُحكم عليهم بأحكامهم. قال أبو العباس ثعلب: (( حدثني سَلَمة [بعد 270 هـ] [6] قال: قال الفراء: مات الكسائي وهو لا يحسن حدّ نعم أو بئس، ولا حدّ أن المفتوحة، ولا حدّ الحكاية، قال: فقلت لسَلَمة: فكيف لم يناظره في ذلك؟ فقال: قد سألته ذلك فقال: أشفقت أن أُحادثهُ فيقول فيَّ كلمةً تُسقِطني فأمسكت ) ) [7] .
لم يكن ثعلب ليسلِّم لقول سَلَمة، ولم يكن سَلَمة ليسلم لقول الفراء حتى يقوم على دعواه بدليل، فهم لا يرضون لأحكامهم وأحكام غيرهم أن تجري غفلة لا تستند إلى حجة تحجها؛ فالفراء أدرك الكسائي وكان معاصر له، ونظر في كتبه، فما الذي كان يمنعه من أن يناظره على خطئه؟! لذا رأى ثعلب وسَلَمة أن لا عذر للفراء في ذلك وقدإكتملت لديه أسباب النقد من معاصرة الكسائي؛ وامتلاك لوسيلة
(1) طبقات النحويين واللغويين: 27.
(2) المصدر نفسه: 35.
(3) المصدر نفسه.
(4) هو أبو محمد سَلَمَه بن عاصم النحوي روى عن الفراء، وعنه أخذ ثعلب، وكان ثقةً ثبتًا عالمًا على مذهب الكوفيين. ينظر: نزهة الألباء: 117.
(5) معجم الأدباء: 13/ 185.
(6) الخصائص: 3/ 312.
(7) الفهرست: 1/ 57.