وجوه محتملة يفترضها المستدل إفتراضًا، أما هذه الوجوه بالنسبة للدليل الباقي فليست وجوهًا مفترضة إنما هي أحكام متعددة موجودة فعلًا بلا إفتراض، أي يكون للمسألة الواحدة أكثر من حكم.
مثّلَ السيوطي لهذا الدليل ببناء الأفعال، إذ الأصل فيها البناء، ولّما أُعرب المضارع لشبهه الاسم من وجوه فأُعطي حكم الإعراب في الرفع والنصب بقي الجرّ لا يجد إليه سبيلا فكان هو الدليل الباقي على خضوع المضارع للأصل العام للأفعال وهو البناء [1] .
ثالثًا: الأحكام الوصفية المجردة:
عرف النحاة لونًا نقديًا ثالثًا كانوا قد قصروه على شخصيات العلماء، وهذا اللون النقدي عبارة عن أحكام نقدية وصفية؛ الغاية منها وصف جانب أو أكثر من جوانب الشخصية العلمية كالعلم والمعرفة وسعة الحفظ؛ والوثاقة والأمانة والصدق في النقل وفي الرواية وفي غيرها؛ وكل ما من شأنه أن يصف منزلة العالم ومرتبته في العلم. والوصف هو أساس هذه الأحكام فأكثرها يزهد عن الدليل؛ فهي مصروفة لوصف جوانب ظاهرة قد لا يكون لأكثرها أثر مادي، وهي من الكثرة بمكان؛ فالذي ينظر في كتب الترجمة سوف يرى أنها حفلت بجمهرة منها، فلئن استأثرت الموازنات النحوية بالآراء عقيب القرن الهجري الثالث وأوشكت أن تنفرد بها؛ صرف النحاة هذه الأحكام نحو شخصيات العلماء - ومنذ وقت مبكر - وعنت بكل جانب فيها، وهذه الأحكام كانت تعنى بـ (( مراتب العلماء وتقدمهم في الأزمان والأسنان ومنازلهم في العلم والرواية ) ) [2] .
كان الأستاذ أحمد أمين أول من تنبّه إلى هذا اللون النقدي لدى النحاة [3] ، ووجد أنه يشبه إلى حدّ كبير الأحكام النقدية التي شاعت عند أصحاب الحديث والتي يقصد بها تجريح بعض العلماء وتعديل بعضهم الآخر؛ وهو الذي يُعرف لديهم بعلم (الجرح والتعديل) [4] ، وهو علم خاص بميزان الرجال لبيان منازلهم في العلم إن كان سلبًا (تجريح) أم إيجابًا (تعديل) [5] .
قال الأستاذ أحمد أمين: (( ومما تبعوا فيه نمط المحدّثين تجريح الرجال وتعديلهم، فعدّلوا الخليل بن أحمد وأبا عمرو بن العلاء مثلًا، وجرّحوا قُطرُبًا المتوفى سنة 206 هـ، وهو الذي قال
(1) . ينظر: ضحى الإسلام: 2/ 259.
(2) ينظر: علوم الحديث ومصطلحه: 126 - 138.
(3) . ينظر: الباعث الحثيث شرح مختصر علوم الحديث: 57 - 68.
(4) ضحى الإسلام: 2/ 259، وينظر قول إبن السكِّيت في بغية الوعاة: 1 - 243، وقال السيوطي عن تطرب في هذه الترجمة نفسها: (( لم يكن ثقة ) ).
(5) رجل من عَدْوان، وكان عداده في بني ليث؛ وهُذيل تدّعي أنه حليفهم، كان فصيحًا عالمًا بالغريب وهو من التابعين من القراء والمتقدمين بالعربية في البصرة. ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 27 - 29.