ومما وقع الاحتجاج بهذا الدليل؛ مااعترض به ابن السِّيْد على الزجاجي، إذ ذهب الأخير الى أن (بدل الغلط) لايجري مثله في القرآن الكريم ولا في كلام فصيح [1] ، فرد عليه ابن السِّيْد بقوله: (( هذا الذي قاله أبو القاسم قد قاله غيره، وكأنه اتفاق من النحويين. فأما قولهم: إنه لم يقع في القرآن فصحيح لا اعتراض فيه. وأما قولهم: أنه لم يجيء في شعر ولا في كلام فصيح؛ فقد تأملته فوجدته غير صحيح، ووجدت الغلط ينقسم على قسمين: ... ) ) [2] ، ثم جاء بشواهد تؤيد صحة استقراءه.
2ـ الأصول:
إن بداية المؤاخذات النحوية إتسمت بالبساطة إنسجامًا مع الملاحظات اللغوية التي بُنيت عليها، لا سيما وأن سليقة النحوي وفطرته اللغوية كانت رأس مال النحو والنحاة، وتكاد القواعد النحوية تكون المعيار الوحيد الذي يلجأون إليه في معايرة النصوص اللغوية إلى جانب الأدلة التي يعتمدون عليها، فـ (( بعد أن إكتملت القواعد في أيدي النحاة أصبحت في نظرهم معيارًا للصواب والخطأ. وجعل النحاة من القرّاء يستعملون القواعد في إختيار القراءات ) ) [3] . لذا فالقواعد النحوية تعدّ أقدم معيار عرفه النحاة ولجأوا إليه بعد أصول النحو، وقد عدّها النحاة أصولًا، فالفصاحة لم تعد المعيار الوحيد للقبول في عرف النحاة كما كانت قي بدء جمعهم للغة، وإنما أضاف إليها النحاة هذا المعيار الجديد يردّون به بعض الفصيح ويرمونه بالشذوذ والتخطئة، فإذا كان الشذوذ لا ينافي الفصاحة وفقًا لهذه الأصول، فلا شك أن الخطأ ينافيها.
إن لهذه القواعد الأصول مفهومان لا بد من التفريق بينهما والتدليل على كل واحد منها، وذلك إذا فهمنا أن النحاة لمّا (( رأوا أن الجملة لا تبدو دائمًا على نمط تركيبي واحد إقترحوا لها أصلًا نمطيًا تخرج عنه بالزيادة والحذف والإضمار والاستتار الخ. وسمّوا أصل الحرف وأصل الكلمة وأصل الجملة باسم جامع هو(أصل الوضع) ثم رأوا أن القواعد التي إستخرجوها بواسطة التجريد من المسموع تشمل بعض الاستثناء، فكان عليهم أن ينصّوا على ذلك فيقولون مثلًا: (القاعدة كذا إلا أن حالة كذا) أو (القاعدة كذا وقد يجوز كذا) أو (يمتنع كذا إلا إذا أفاد) إلخ وعندئذ فرّق النحاة بين القاعدة الأولى وما أستثنى منها، فسمّوا الأولى: (القاعدة الأصلية) أو (أصل القاعدة) وسمّوا الاستثناء (القاعدة الفرعية) . فلدينا إذًا (أصل الوضع) أو (أصل القاعدة) ، )) [4] وكلاهما قاعدة أو قاعدةٌ أصلٌ. أما مظان هذه القواعد الأصول ففي (( تعريفات النحاة لأبواب النحو ) ) [5] ، وكان إبن مالك في ألفيته يجعل القاعدة
(1) الاصول (لتمام حسان) : 33.
(2) الأصول (لتمام حسان) : 115.
(3) المصدر نفسه: 132.
(4) ألفية إبن مالك: 35.
(5) المصدر نفسه: 36.