الصفحة 75 من 416

بسبب ذلك، فالحكم على أدلة هذين الطرفين المتجادلين يقضي بالموازنة بينهما، كما يستدعي أدلة جديدة غير التي أشرنا إليها في الصنف الأول، وتعرف هذه الأدلة بأدلة التعارض والترجيح أو أدلة الجدل النحوي [1] ، وإنما سُمّيت بأدلة الجدل لأن أغلب الموازنات النحوية جاءت كنتيجة حتمية لجدل قام بين طرفين مختلفين، كالجدل القائم بين المذهبين البصري والكوفي. إذًا فالجدل النحوي هو (( حجاج بين النحاة له قواعده وأصوله وآدابه وأدلته المرتبطة به والتي لا ترتبط بالضرورة بصناعة النحو ) ) [2] .

لكن لايفهم من ذلك أن هذه الأدلة هي أدلة مستقلة بنفسها، إنما هي طرائق إحتجاج مستمدة من أصول النحو الرئيسة وأدلته العامّة؛ من سماع وقياس واستصحاب حال، وهي مرتبة في وجودها (أي أدلة الجدل) على وجودها (أي أدلة النحو) كما هو واضح من التخطيط الآتي [3] :

الدليل النحوي

السماع ... الاستصحاب ... القياس

الاستقراء الأصل ... استصحاب الحال

التقسيم ... الأولى ... بيان العلّة ... الإستحسان ... العكس عدم النظير عدم دليل النفي الباقي

وهكذا فإن أدلة الجدل النحوي تبنى في وجودها على أدلة النحو وأصوله العامة؛ إذ الاحتجاج النحوي يكون بالأصول العامة من سماع وقياس أولًا، فإذا بلغ النقد مبلغ الجدل؛ إحتُجَّ بأدلة الجدل المستمدة من تلك الأصول.

ذكر أبو البركات الأنباري هذه الأدلة في الفصل الرابع والعشرين من كتابه (لمع الأدلة) تحت عنوان (في ذكر مايلحق بالقياس ويتفرع عليه من وجوه الإستدلال) . جاء فيه: (( إعلم أن أنواع الإستدلال كثيرة تخرج عن حد الحصر، وأنا أذكر مايكثر التمسك به. وجملته أن الإستدلال قد يكون بالتقسيم، وقد يكون بالأولى، وقد يكون ببيان العلّة، وقد يكون بالأصول ) ) [4] ، وأفرد السيوطي لها بابًا في (الإقتراح) جعله (كتابًا) بنفسه ضمن كتابه الآنف، وقد سمّاه وسمّاها: (الكتاب الخامس: في

(1) ينظر: المصدر نفسه.

(2) لمع الأدلة: 127.

(3) ينظر: الإقتراح: 115.

(4) الأصول (لتمام حسان) : 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت