المضمون عن الحجّة أو الدليل غير أنه من إستعمالات النقاد سواء أكانوا نحويين أو لغويين أو أدباء. قيل في أبى العباس ثعلب، بأنه (( فاروق النحويين والمعاير على اللغويين ) ) [1] . إذًا فهذه المصطلحات تختلف من جهة إستعمالها لا في مضمونها، فالحجّة والدليل مما شاع في الدراسات النحوية، أما المعيار فمما شاع في النقد على إختلاف أنواعه، والذي يسوّغ لنا المعاورة بينها ها هنا أنّا نتحدث عن النحوي الناقد.
رأينا أن الموازنات النحوية عنت بأكثر من جانب من جوانب النحو، فمنها ماعُقدت حول المناهج، ومنها ماعُقدت حول العلماء، ومنها ماعٌقدت حول الكتب، ومنها ماعٌقدت حول الآراء. وكان لكل واحدة من هذه الموازنات معاييرها الخاصة بها بحسب الموضوع الذي عٌقدت حوله. فالموازنات المعقودة حول العلماء ـ كما مرّ بنا ـ إستندت في المعايرة بين العلماء على معايير مثل: العلم، والأخلاق؛ فضلًا عن السن والمعاصرة أو السبق، ثم بيان العلاقة القائمة بين الشيوخ وتلاميذهم (التلمذة) ، وقد كانت هذه المعايير كفيلة برسم طبقات النحاة وتحديد مراتبهم فيها. كذلك استندت الموازنات المعقودة حول الكتب على سبقها الزمني فضلًا عن مادتها العلمية، وما إلى ذلك. لكن هذه الموازنات النحوية كانت قليلة جدًا بالنسبة للموازنات التي عقدت حول الآراء، لاسيما وإن الآراء المتعارضة إستأثرت بعناية النحاة ومنذ وقت مبكر؛ الأمر الذي أفصح عن كثرة الموازنات المعقود حولها سواء أكان ذلك بمؤلفات خاصة أو غيرها.
إن الموازنات المعقودة حول الآراء هي الأخرى كانت لها معاييرها الخاصة بها، وسنأتي لبيان هذه المعايير بالتفصيل بعد أن نوضح علاقتها بمعايير النقد النحوي العامة.
إن أدلة النحو على كثرتها يمكن تصنيفها على صنفين بالنظر إلى الوظيفة التي تؤديها هذه الأدلة في كل صنف منهما، وما ذلك إلا إنسجامًا مع الوظيفة التي يقوم بها المستدل نفسه، وهذان الصنفان هما:
الصنف الأول: الأدلة أو المعايير التي يُستند إليها في الحكم على طرف واحد (يعني الرد عليه) ، بغض النظر عن كون هذا الطرف عالم واحد أو عالمين أو مجموعة علماء، كنقد المبرد لسيبويه، ومعارضة الأخفش الأوسط للبصريين، ونقد إبن مضاء لجمهور النحاة، والمعايير المتبعة في هذا الصنف تشمل عامّة حجج النحو وأدلته النقلية والعقلية، فضلًا عن قواعد النحو (قواعد الأبواب)
وأصول مذهب الناقد (قواعد المذهب العامّة، وضوابط أدلته المنهجية) .
الصنف الثاني: الأدلة أو المعايير التي يُستند إليها في الحكم على طرفين متجادلين ولا يهم إن كان هذان الطرفان عالمًا أو مجموعة علماء قلّوا أو كثروا، وسواء أكان المتجادلان من مذهب واحد أو من مذهبين مختلفين، المهم أن هذين الطرفين إختلفا حول حكم نحوي معين، فتعارضٍت أدلتها والمقاييس
(1) المصدر نفسه.