للكوفيين مولفقة صريحة لأنه كان مجتهدًا فيها؛ فكان تخطيئه للبصريين باجتهاده أن وافق إجتهاده الكوفيين فيها، لأن العكبري كان بصري المذهب قلبًا وقالبًا، بل لم يتردد في أثناء (تبيينه) أن ينسب نفسه إليهم نسبة صريحة [1] ، فأثبت بأحكامه هذه أنه أشدّ تمسكًا ببصريته من أبى البركات الانباري. وهنا لابد لنا من أن ندفع شبهةً لحقت العكبري من قبل بعض المحدثين، إذ نسب الشيخ محمد الطنطاوي العكبري إلى الكوفيين ظنًا منه أن كتاب (التبيان في شرح الديوان) المنسوب للعكبري؛ هو للعكبري نفسه. وقد قال: (( ألَّف بعد الأنباري أبو البقاء العكبري كتابه(التبيين في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين) ، ولم نعثر على هذا الكتاب، إلا أن المعروف عن العكبري أنه كوفي النزعة كما يتضح جليًا في مؤلفاته، ومما لامرية فيه أنه قد اطلع على كتاب الانصاف، وشاهدُ هذا أنه في شرحه لديوان أبي الطيب المتنبي قد ينقل عبارة الإنصاف بنصها عند ذكر الخلاف بين الفريقين، أو يلخصها تلخيصًا لايذهب معه تعرّف الأصل المأخوذ منه ... فبالضرورة لابدَّ أنه قد رجّح كثيرًا من آراء الكوفيين إنتصارًا لمذهبه في كتابه (التبيين) وحاجَّ الأنباري فيها )) [2] ، ثم قال مطمئنًا في موضع آخر: (( ومضت كلمة عن هذا الكتاب عند ذكر مسائل الخلاف بين الفريقين تعرفت منها أن هذا يُظن ظنًا مسامتًا لليقين أنه آثر المذهب الكوفي في كثير مما فيه، يشهد لقوة هذا الظن ما ذكره العكبري نفسه في شرحه لديوان المتنبي عند المناسبة لذكر الخلاف؛ فكما عزز الأنباري المذهب البصري عزز العكبري المذهب الكوفي ) ) [3] ، وللشيخ الطنطاوي العذر فيما ذهب إليه؛ لأنه لم يقف على كتاب التبيين إنما (ظن ظنًا يسامت اليقين) . أمّا ما نَسب لشارح ديوان المتنبي المعروف بـ (التبيان في شرح الديوان) من أنه كوفي المذهب، فهذا متحقق في قول صاحب الشرح: (( الدنيا: مرفوعة بـ(تسترد) عندنا، وبـ (تهب) عند البصريين، لأنهم لايعملون .. )) [4] ، وقوله: (( وقد إختلف أصحابنا في(حتى) فقالوا ... وقال البصريون )) [5] . وأما أن يُحمل حكم صاحب (التبيان) على حكم صاحب (التبيين) لمجرد النسبة فمدفوع عندي من وجهين: أحدهما، أن صاحب التبيين نسب نفسه نسبة صريحة إلى البصريين في مواضع كثيرة من هذا الكتاب سبقت الإشارة إليها. والآخر، أن صاحب التبيين لم يوافق الكوفيين إلا في مسألة واحدة هي المسألة (55) ، مع أن موافقته إياهم في هذه المسألة موافقة غير مصرَّح بها، لأن العكبري كان مجتهدًا فيها؛ فوافق إجتهاده رأي الكوفيين كما تقدم. لكن العجب كل العجب أن الشيخ الطنطاوي يقرّ صاحب التبيان (أو صاحب التبيين كما يظن) على ما ذهب إليه من نصرة لمذهب الكوفيين، ويُنكر على صاحب الإنصاف نصرته للبصريين، وهو يؤمن بأن (( المسائل العلمية تتأرجح موازينها بين العلماء
(1) المصدر نفسه: 209 - 210.
(2) التبيان في شرح الديوان: 3/ 138.
(3) المصدر نفسه: 2/ 95، وانظر: 2/ 20.
(4) نشأت النحو وتأريخ أشهر النحاة:159.
(5) المدارس النحوية (ضيف) : 279.