لكن العجيب أن أبى البركات الأنباري لم يكن أول من يوازن بين هذه المسائل ولا آخر من يحكم عليها؛ إذ تصدى لها علماء كُثُر؛ كان أبو البركان الانباري أحدهم وليس أوحدهم، وممن تصدى لمسائل الخلاف النحوي بين المذهبين وعقد موازنة بين آراء الطرفين أبو البقاء العكبري (ت 616 هـ) [1] وضح في مسائل الخلاف كتابين؛ وسم الأول بـ (التبيين عن مذاهب النحويين من البصريين والكوفيين) ووسم الآخر بـ (مسائل خلافية في النحو) أما علامة الكتابين ببعضهما فعلاقة الجزء بالكل؛ فكتاب (مسائل خلافية) هو جزء من كتاب (التبيين) ، وبوصف أدق إن كتاب (مسائل خلافية) هو المسائل الخمسة عشر الأولى من (التبيين) بنصّها وترتيبها؛ والخلاف في غالب هذه المسائل الأولى ليس بين الكوفيين والبصريين إنما هو الخلاف بمعناه العام بين علماء النحو كافة.
ضم كتاب (التبيين) (84) مسألة في اللغة والنحو؛ فيها (28) مسألة تُعدّ من المسائل
الخلافية بين النحويين بصورة عامّة [2] و (56) مسألة خلافية بين البصريين والكوفيين؛ منها (55) مسالة مشتركة بين أبي البقاء العكبري وأبى البركات الانباري؛ إذ سبق أبو البركات في التعليق عليها؛ وهناك مسألتان إنفرد العكبري بذكرهما في (تبيينه) هما: المسألة الثامنة؛ وهي (مسألة الإعراب أصل في الأسماء) ، والمسألة الثامنة بعد الثلاثين؛ وهي (مسألة نيابة المفعول به عن الفاعل مع وجود الظرف والجار والمجرور) .
لم يكن لأبى البقاء العكبري منهج ثابت في موازنته بين آراء الفريقين؛ إذ يبدو إسلوب الإملاء واضحًا على مسائل الكتاب؛ وهذا أمرً طبيعي لأن العكبري كان- كما هو معروف عنه- ضريرًا فاقدًا للبصر؛ ومع ذلك يُستشف من طريقة عرضه للمسائل الخلافية المنهج الآتي:
1ـ يبدأ المسالة الخلافية بقوله: (مسألة) ثم يورد نصّ المسألة من دون عنونة بارزة للمسائل التي يوردها، أو قد يورد تسمية لمسائل عامّة؛ مثل قوله: (مسائل التثنية) ؛ (مسائل الجمع) ؛ (مسائل كان) . ولم يضع أبو البقاء أبوابًا عامّة للكتاب غير بابين هما: (باب المعرب) و (باب الاعراب) .
2ـ يميل إلى تقديم الرأي الذي يرجّحه، ولم يؤخر الرأي الراجح إلا مرة واحدة في المسألة (12) . 3ـ يعمل على عضد الرأي الراجح بالأدلة النقلية والعقلية ملتزمًا الاختصار في ذلك، وهكذا يعقب بالرأي الضعيف بقوله: (واحتجّ الآخرون) أو (وحجّة الكوفيين) .
4ـ يبدأ بمناقشة هذه الحجج بادئً ذلك بقوله: (فالجواب) ، وكان يحرص على أن يختتم كل
مسألة في الغالب بقوله: (والله أعلم بالصواب) .
حكم أبو البقاء العكبري في المسائل الخلافية التي أوردها بين المذهبين بالموافقة على (55) مسألة للبصريين، ولم يحكم للكوفيين إلا في مسألة واحدة؛ هي المسألة (55) [3] ولم تكن موافقته
(1) وهي في زيادة اللام الأولى في (لعل) ، ينظر: 359 ـ 361.
(2) ينظر على سبيل المثال تعليقة على المسائل: 38، 51،52، 59، 70.
(3) نشأت النحو وتأريخ أشهر النحاة: 157 ـ 158.