ذلك أَن بعض العلماء قد يكثر من اللجوء إليها في بعض مؤلفاته، وقد ينحسر اعتماده عليها في بعضها الآخر، وقد لايكون اللجوء الى هذا المبدأ النقدي مرتبطًا بنزعة الناقد نفسه بقدر ارتباطها بطبيعة الموضوع والمسائل المتعلقة به أوالمثارة حوله. وهكذا فإنك تجد تمايزًا بين المؤلفات والمؤلفين في الإعتماد على هذا المنهج النقدي، وتقريب ذلك أن المؤلفات النحوية التي عُنيت بالتعليل النحوي - مثلًا - لم يلجأ أصحابها للبحث في هذا الجانب النحوي إلى الإعتماد على هذا المبدأ النقدي، إذ لاضرورة تدفعهم لذلك، وإن وجد فهو قليل، ومع ذلك نجد أن كتاب (الإيضاح في علل النحو) للزجاجي من بينها اعتمد صاحبه على هذا المنهج النقدي في عرض موضوعات الكتاب اعتمادًا شبه كامل، فبعد أن جمع العلل النحوية التي عُرفت قبل زمانه وفي عصره، ولاسيما العلل التي دار الخلاف النحوي حولها بين المذهبين [1] ، ومن هذه العلل ما يتصل بالحدود [2] ، ومنها ما يتصل بأحكام الإعراب [3] ، ومنها ما هو جدلي مفترض متخيّل [4] ؛ أخذ يوازن بين الرأي ونقيضه، فـ (( لم يكن مجرد راوية ينقل، وإنما كان ناقدًا يستعرض ويختار ) ) [5] ، ومنهجه في الترجيح بين الآراء قام على فقرات عدّة بيانها مايأتي:
1 -يبدأ بعرض المسألة بذكر الرأي الأقوى، وهو في الغالب رأي البصريين [6] ، أو قد يعكس الطريقة فيبدأ بذكر الرأي الأضعف وهو في الغالب رأي الكوفيين [7] ، ثم يعمل على توهينه وتضعيف حججه بعد بيان فسادها.
2 -يصنِّف العلماء بحسب مذاهبهم، ويصنف آرائهم بحسب سبقها الزمني، ثم يحكم عليها بحسب قوة حجتها [8] .
3 -يفسّر الآراء ويشرحها إمعانًا في إقامة الدليل على الآراء الضعيفة، فعن طريق الشرح والتفسير يضع القارئ أمام الرأي الصحيح الذي كان له النفاذ والشيوع وكانت له الغلبة والذيوع [9] .
4 -ربما أمسك عن التعليق عن أيٍّ من القولين؛ وإذ ذاك يكتفي بعرضها فحسب؛ وذلك في عدّة
مواضع [10]
القسم الثاني: الكتب التي إعتمدت على مبدأ الموازنة إعتمادًا مباشرًا، فآثار الموازنة بين الآراء أخذت تتجاوز الحدود الضيقة، وقد وُضعت فيها مؤلفات كثيرة تُعرف اليوم باسم (كتب الخلاف) ؛ كان أقدم
(1) ينظر: المصدر نفسه: 67، 69، 72 ن 76، 77،93.
(2) ينظر: المصدر نفسه: 56، 64، 67، 69، 72، 76، 77.
(3) الزجاجي حياته وأثاره ومذهبه النحوي: 63.
(4) ينظر: الإيضاح في علل النحو: 41، 48، 56، 72، 77، 100.
(5) ينظر: المصدر نفسه: 76، 130.
(6) ينظر: المصدر نفسه - على سبيل المثال: 56، 77، 97.
(7) ينظر: المصدر نفسه - على سبيل المثال: 41، 46، 96، 110.
(8) الإيضاح في علل النحو - على سبيل المثال: 100.
(9) ينظر: بغية الوعاة: 1/ 397.
(10) ينظر إنباه الرواة: 2/ 295.