من أكثر الموضوعات النقدية المشروعة للبحث، فالموازنة هي المنهج الوحيد الذي يصلح لذلك، لاسيما بعد أن (( ذاع أمر الخصومة بين البصريين والكوفيين من النحويين، حتى أصبح الخلاف بينهم موضوعًا للتأليف، فدُرست عوامله ونوازعه، وبُحثت مسائله، وقام العلماء يحكمون بين الطرفين ) ) [1] لذا أصبحت المُعايرة بين الآراء مسألة ذات أولوية في عمل نحاة الأمصار لدراسة الموروث النحوي الكبير الذي وصل إليهم عن البصريين والكوفيين [2] ، وإن أول من بارك هذه الموازنات البغداديون [3] (( فقد كان إلتقاء الكوفيين والبصريين في بغداد سببًا في عرض المذهبين ونقدهما والانتخاب منهما ) ) [4] ، وأصبحت الآراء أداةً للكشف عن مذاهب النحاة ومناهجهم بعد أن إستندت هذه الموازنات على أدلة نصّيّة لا تقبل الطعن، فضلًا عن وضوح المعايير التي يُعاير بها، مع تحقق المطابقة والمماثلة بين الآراء في الباب الواحد، تحت الموضوع الواحد، في المسألة الواحدة.
لقد أمدّت هذه الموازنات حركة التأليف النحوي بمنهج نقدي تطبيقي دقيق كان أظهر ما يكون في كتب الخلاف النحوي [5] ، ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن النحاة التالين لعهد البصريين والكوفيين إنما دخلوا النقد من باب الموازنة، وصار مبدأ الاختيار في تبني الآراء سمة غالبة على نحاة الأمصار، ولا يخفى أن هذا المبدأ قائم على أساس من الموازنات النقدية؛ وقد إتسعت آفاقه عند البغداديين؛ وصار سنّة متبعة لديهم. نقل الدكتور فتحي عبدالفتاح الدجني في كتابه (ظاهرة الشذوذ في النحو العربي) عن الأستاذ أمين السيد قوله: (( كانت مدرسة بغداد تطورًا للدراسات النحوية، لأن في بغداد عاصمة الرشيد إلتقى علماء البصرة بعلماء الكوفة، وقد وعوا أصول المدرستين، وتأثروا بكلام المنهجين، وأُتيحت لهم فرصة الموازنة والمقارنة، وتهيأت لهم أسباب التفضيل ودواعي الاختيار، ومن هنا بدأ عهد جديد في دراسة النحو بالمشرق، عهد لا يقوم على دراسة نحو كل مدرسة على حدِة، وإنما يقوم على دراسة مسائل النحو، ومعرفة أوجه الرأي فيها وأرجح الأقوال في توجيهها ) ) [6] .
إن اعتماد، مبدأ الموازنة كمنهج في التأليف النحوي لم يكن وقفًا على كتب الخلاف، بل كان مشاعًا بين المؤلفات النحوية على إختلاف مناهجها سواء ماعنت منها به بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وعلى ذلك يمكننا تصنيف المؤلفات النحوية التي اعتمدت على هذا المنهج النقدي على قسمين: القسم الأول: الكتب التي إعتمدت على مبدأ الموازنة إعتمادًا غير مباشر، أو شبه مباشر، وهذا
يشمل مؤلفات النحو بعامتها، على إختلاف مناهجها واتجاهاتها سوى كتب الخلاف النحوي، وإنما كان اللجوء الى هذا المبدأ في هذه المؤلفات بشكل غير مباشر لأن الموازنة فيها لم تكن مقصودة لذاتها ومرد
(1) ينظر: نشأة النحو وتأريخ أشر النحاة: 36.
(2) ضحى الإسلام: 2/ 298.
(3) أفردنا بهذه المؤلفات ثبتًا في الفصل الثاني من هذا الباب.
(4) ظاهرة الشذوذ في النحو العربي: 326.
(5) ينظر: الإيضاح في علل النحو: 46، 56، 72،77، 97، 100، 130.
(6) ينظر: المصدر نفسه: 46،48.