إن بعض العلماء حاول أن يجرّ الموازنات النقدية بين الكتب الى مناهج التأليف النحوي، فكما رأى بعضهم أن المفاضلة بين العلماء موضوعًا صالحًا للموازنة والنقد؛ رأى إبن درستويه أن كتب هؤلاء العلماء هي الأخرى تكون مجالًا مناسبًا لعقد مثل هذه الموازنات، فوضع كتاب الموازنة بين الأخفش وثعلب في كتابيهما (معاني القرآن) [1] وسمه بـ (التوسط بين الأخفش وثعلب في معاني القرآن) [2] . إلا أنه لم يتمّه، ولو قُدِّر له التمام لاطلعنا من خلاله على طبيعة الموازنات التي كانت تُعقد بين الكتب النحوية، ولكشفت لنا بشكل أوضح الجوانب التي كانت تعالجها؛ والمعايير التي كانت تُعاير بها.
4ـ بين الآراء: رأينا في كثير من الموازنات التي عقدت حول المناهج والعلماء والكتب أن بعضها لا يعدو أن يكون عبارة عن نص مختزل؛ تحمل عباراته دلالة الحكم بالتقدم لطرفٍ ما على آخر من غير أن تُذكر تفاصيل الموازنة؛ وهي مع ذلك قليلة قياسًا على الموازنات التي عقدوها بين الآراء.
كانت الموازنة بين الآراء من أكثر أنواع الموازنات النحوية شيوعًا، ولعل العلماء لم يجدوا في الترجيح بين: المناهج، والكتب، والعلماء؛ قيمة حقيقية تعود عليهم من وراء ذلك؛ ووجدوا أن الآراء تكون أكثر مساسًا بشخصية العالم؛ وأكثر تعبيرًا عن علميته، وهل الرأي إلا أثرًا من آثار العالم، والكتاب، والمنهج؟. ويكفي في تعدد الآراء وكثرتها مع ما يقع فيها من خلاف داعيًا لعقد موازنة بينها؛ فصارت الموازنة بين الآراء حركة نقدية غالبة على أعمال النحاة؛ فلا يكاد يُذكر الرأي حتى يُقرن بخلافه؛ ولا يكون الترجيح بين هذه الآراء المتباينة إلا عن طريق الموازنة بينها حسب [3] ؛ فلا عذر للعالم إلّم يُحط بالرأي ونقيضه؛ إلّم يكن تبريرًا لموقف العالم وداعيًا من دواعي علمه؛ كان تبريرًا للحكم النحوي الذي يشتمل عليه هذا الرأي، قال يونس: (( .. ليس من أحد إلا وأنت آخذ من قوله وتارك ) ) [4] ، فالمسألة إذًا مسألة الحكم وخلافه. سأل إبن قادم تلميذه ثعلب مسألة في النحو، فأجابه قائلًا: (( قال أبو جعفر الروّاسي فيها كذا، وقال أبو الحسن الكسائي فيها كذا، وقال الفراء فيها كذا، وقال هشام فيها كذا، وقُلتُ [أنا فيها] كذا، فقال له الشيخ [إبن قادم] : لن تراني أعتقد في هذه المسألة إلا جوابك، فالحمد لله الذي بلَّغني هذه المنزلة فيك ) ) [5] فما بالك بمنزلة يُضبط العلماء عليها؟ لا سيما وإن الحكم على مسائل النحو مع تعدد الآراء وكثرتها صارت تحتم على العالم أن يلمّ بها - أو بأغلبها على الأقل - إذ يكون تبرير الحكم بدحض نقيضه وذلك، بالموازنة بينها حسب.
كان من الطبيعي جدًا أن تلقَ مثل هذه الموازنات النقدية رواجًا في الدرس النحوي وتصبح
(1) ينظر: العلة النحوية تاريخ وتطور: 89.
(2) طبقات النحويين واللغويين: 35.
(3) المصدر نفسه: 138.
(4) الزجاجي ومذهبه في النحو من خلال كتابه الإيضاح: 67.
(5) ينظر على سبيل المثال الموازنات التي كانت تتكرر في كتاب (أخبار أبي القاسم الزجاجي) : 107، 131، 190.