غير أنا لا نعلم موازنة صريحة بين هذا الكتاب وغيره من الكتب والمؤلفات النحوية نتج عنها هذا الحكم المُجمع عليه، ومردّ ذلك يرجع إلى أن الحكم للكتاب بالتقدمة كان في وقت إنعدمت فيه كتب النحو [1] ، أو على الأقل أنها كانت قليلة، وما وجد منها لا يصلح أن يكون نظيرًا للكتاب في موازنة نقدية. قال المازني: (( مَنْ أراد أن يُصنِّف كتابًا كبيرًا في النحو، بعد كتاب سيبويه فليستحِ ) ) [2] . وكان المبرد يقول لمن أراد أن يقرأ عليه الكتاب: هل ركبت البحر؟ تعظيمًا له واستصعابًا لمادته [3] . وهكذا تعاهد البصريون الكتاب وجلّ أحكامهم تركّز على مادته العلمية وسبقه الزمني، وبهذين المعيارين إستحق الكتاب التقدمة على سائر المؤلفات النحوية لديهم.
ومع إتساع التأليف أخذ العلماء يفاضلون بين المؤلَّفات النحوية بهذين المعيارين؛ وقد تعارضا لدى أبي بكر بن السرّاج فآثر معيار (الزمن) على معيار (العلم) كردٍّ موازنة عقدها أحدهم بحضرته بين كتاب (المقتضب) للمبرد، وكتاب (الأصول .. ) لابن السراج نفسه، فذهب القائل الى أن كتاب (الأصول) أفضل من كتاب (المقتضب) ، فقال إبن السراج: لاتقل هذا، إنما استفدنا ما استفدناه من صاحب المقتضب وأنشد [4] :
ولو قبلَ مبكاها بكيْتُ صبابةً ... بسْعَدى شفيتُ النفسَ قبلَ التندمِ
ولكن بَكَتْ فهيْجَ لي البُكا ... بُكاها فقلتُ: الفضلَ للمتقدمِ
وإذ يلوي العلماء على المؤلفات فيعقدون بينها شيئًا من الموازنات؛ فكان لابد أن تتدخل العصبية للمذهب في صياغة تلك الأحكام، حتى عند اللجوء الى هذه المعايير الموضوعية ذاتها، فقد استند ثعلب في تقديم كتب الفراء على ماسواها من كتب على هذين المعيارين. قال في (معاني القرآن) للفراء: (( وهو كتاب لم يُعمل قبله ولا بعده مثله، ولم يتهيأ لأحدٍ من الناس جميعًا أن يزيد عليه شيئًا ) ) [5] ، وقد غالى ثعلب بوصفه هذا، بل ذهب الى أبعد من ذلك حين قدّم كتب الفراء على كتب النحاة جميعًا، قال: (( كتب الفراء لايوازي بها كتاب ) ) [6] . وهذا أمر متوقع؛ فلابدّ أن تتقدم كتب الشيوخ عند التلاميذ، ولابدّ أن تتقدم كتب المذهب عند علمائه.
(1) ينظر: نزهة الالباء: 55.
(2) لم أقف على قائل البيتين.
(3) طبقات النحويين واللغويين: 132.
(4) المصدر نفسه: 133.
(5) ينظر: الفهرست: 1/ 58،83.
(6) ينظر: المصدر نفسه:68.