جعل الزبيدي كتابه في قسمين متداخلين: قسم خاص بطبقات النحاة، وقسم خاص بطبقات اللغويين، بدأ طبقات النحويين بنحاة البصرة، وجعلهم في عشر طبقات بحسب أزمانهم، ثم ألحق بهم نحاة الكوفة، وقد جعلهم في ست طبقات، أعقب ذكرهم طبقات لغويّي البصرة؛ وهم سبع طبقات، ثم ألحق بهم طبقات لغويّي الكوفة؛ وهم خمس طبقات، ثم جمع نحاة مصر ولغوييها في ثلاث طبقات، ثم ذكر بعدهم النحاة واللغويين القرويين؛ وهم أربع طبقات. ثم نحويّي الأندلس ولغويّيها؛ وجعلهم في ست طبقات.
إن الزبيدي لم يفاضل بين العلماء، إلا أنه بيّن منازلهم في طبقات لعله لم يُسبق إليها؛ ولم يوضع بعده مثلها. فقد أخذت فكرة (الطبقة) بُعدًا آخر لدى أبي البركات الانباري في كتابه (نزهة الالباء في طبقات الأدباء) الذي قصد منه الترجمة فحسب وإن حمل عنوانه مصطلح (الطبقة) إلا أنه لم يتجرّد لها. قال في مقدمته: (( وبعد، فقد ذكرت في هذا الكتاب الموسوم بنزهة الألباء في طبقات الأدباء، معارف أهل هذه الصناعة الأعيان، ومن قاربهم في الفضل والإتقان، وبيّنت أحوالهم وأزمانهم على غاية من الكشف والبيان ) ) [1] . فالكتاب وإن كان مقصورًا على الأعيان؛ إلا أنه عُني باستقصاء أحوالهم وتقديم ترجمة موفية لكل واحد منهم.
إن كتب الطبقات في النحو العربي كثيرة؛ وهي لا تشترك بمنهج واحد، ولا تجتمع عند غاية واحدة، وكان ظهور هذه المكتب منذ وقت مبكر من تاريخ النحو، فقد ذكر ياقوت الحموي أن للمبرد كتاب (طبقات النحويين البصريين وأخبارهم) [2] ، إلا أنّا لا نعلم من أمره شيئًا.
إن الموازنات والمفاضلات التي كانت تعقد بين العلماء استندت إلى معايير متعددة ركّزت أغلبها على الجانب العلمي؛ فضلًا عن الجانب الأخلاقي الذي كانت تلجأ إليه بعض المفاضلات فغالبًا ما وفَّقت هذه الموازنات بين غزارة العلم وسعة الحفظ وكثرة الرواية؛ وبين الوثاقة والأمانة والعدل.
3ـ بين المؤلفات: لم تكن الكتب النحوية مادةً خصبةً لعقد الموازنات والمفاضلات، وما وصل إلينا من هذه الموازنات لم يكن بغزارة الموازنات التي عقدها العلماء في الجوانب النحوية الأخرى، وربما صرفهم عن ذلك إنشغالهم بالموازنات الأخرى التي عقدوها في غير هذا الجانب. وأغلب ما وصل إلينا من الموازنات المعقودة بين الكتب تتسم بالبساطة ولا يعدو أغلبها أن يكون حكمًا نقديًا صيغ بعبارة قصيرة لا تستند إلى نص نقدي ثابت. وقد ظهرت موازنات الكتب النحوية منذ وقت مبكر، كما أنها قضت ومنذ وقت مبكر؛ وكان لكتاب سيبويه النصيب الأوفر منها، فكتاب سيبويه كان ولا يزال محطّ أنظار الدارسين، وقد أجمع الأوائل على تقدّمه، قال أبو الطيب اللغوي: (( سمّاه الناس قرآن النحو ) ) [3] .
(1) مراتب النحويين: 65.
(2) ينظر: نشأة النحو وتأريخ أشهر النحاة: 45.
(3) معجم الأدباء: 7/ 123.