في (ذكر أخبار الأصمعي) : (( كان الأصمعي أسد الشعر والغريب والمعاني، وكان أبو عبيدة كذلك، ويُفضّل على الأصمعي بعلم النسب، وكان الأصمعي أعلم منه بالنحو ) ) [1] .
كان عدد من عرض لهم السيرافي في أخباره من نحاة البصرة ما يقرب من الثلاثين عالمًا،
بدأ بأبي الأسود الدؤلي وانتهى بتلاميذ المبرد.
وبالأندلس العربي وضع أبو بكر الزبيدي (ت 379هـ) [2] كتابًا في طبقات النحاة وقد ضمّ إليهم اللغويين بأمر من الحكم المستنصر بالله؛ وقد وسم كتابه هذا بـ (طبقات النحويين واللغويين) ، فشهد القرن الهجري الرابع تعاصر هذه الكتب الثلاثة، كتابين بالمشرق وكتاب بالمغرب.
عمل الزبيدي كتابه تنفيذًا لرغبة الحكم المستنصر بالله فجاء الكتاب على وفق طلبته، قال الزبيدي: (( وإن أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله ـ - رضي الله عنه - ـ لمِا اختصّه الله به، ومنحه الفضيلة فيه؛ من العناية بضروب العلوم، والإحاطة بصنوف الفنون، أمرني بتأليف كتاب يشتمل على ذكر مَنْ سلف من النحويين واللغويين في صدر الإسلام، ثم من تلاهم من بعد إلى هَلُمَّ جرًّا، إلى زماننا ) ) [3] . ثم قال: (( فألّفت هذا الكتاب على الوجه الذي أمرني به أمير المؤمنين أعزه الله، وأقمته على الشكل الذي حدّه، وأمدّني أبقاه الله في ذلك بعنايته وعلمه، وأوسعني من روايته وحفظه ) ) [4] . إذًا فالزبيدي لم يكن أصيلًا في فكرته تصنيف العلماء إلى مجاميع، إنما هي فكرة شورك فيها.
إن الفكرة التي اعتمد عليها الزبيدي في تصنيف العلماء إلى مجموعات هي فكرة (الطبقة) وقد جاء الكتاب موسومًا بها، وهذه الفكرة لا تختلف عن فكرة (المرتبة) كثيرًا؛ إلم تكن هي هي، ولكن الإختلاف يأتي تبعًا لغاية التأليف، وأسلوب العرض، فقد قصد الزبيدي من طبقاته ما عناه بقوله: (( وأن أطبِّقهم على أزمانهم وبلادهم؛ بحسب مذاهبهم في العلم ومراتبهم، وأذكر مع ذلك مواليدهم وأسنانهم ومدد أعمارهم وتاريخ وفاتهم على قدر الإمكان في ذلك، وبحسب الإدراك له ) ) [5] . وهذه إستفاضة في القول إنحرف عنها أبو الطيب في مراتبه راغبًا؛ كما رغب الزبيدي عن أن يفاضل بين العلماء؛ لاسيما وإنه تعرّض لجوانب أساسية في شخصياتهم تصلح للمفاضلة. ومع أن تقسيم العلماء على طبقات هي فكرة نقدية قائمة على أساس من الموازنة لا ينقصها إلا الحكم الذي تُفاضل به طبقة على أخرى؛ قصر الزبيدي طبقاته على الترجمة؛ فضلًا عن الإحاطة بمنزلة العالم ومرتبته، ولم يشأ أن يُفاضل بين العلماء، وقد حفظ للجميع فضله.
(1) طبقات النحويين واللغويين: 17.
(2) المصدر نفسه: 18.
(3) المصدر نفسه: 17.
(4) نزهة الالباء: 17.
(5) معجم الأدباء: 19/ 122.