الصفحة 62 من 416

لا يرى الدكتور محمد إبراهيم البنا في (( إفراد [السيرافي] البصريين بالتأليف في طبقات نحاتهم نوعًا من التعصّب لهم وغضًّا من نحاة الكوفة ... لأن التأليف في طبقات نحاة البصرة دون غيرهم تقريرًا لحقيقة تقول: إنه من العسير أن يُصنَّف كتاب في تأريخ نحاة الكوفة وطبقاتهم، وإلا لَلَجأ من يصنع هذا الى أن يؤلِّف طبقات من رجال ليس لهم ذكر ونباهة شأن ) ) [1] . وهذا هو التعصّب بعينه لو أن أبا سعيد ذهب الى ذلك حقًا؛ وإلا فهو مما تكلّفه الدكتور البنا ولم يخطر للسيرافي ببال. ثم قال: (( ومما ينفي التعصّب عن أبي سعيد أنه بصري أعرف بالبصريين من غيرهم، وإنه إذا كان لم يعمد الى التأريخ لمشهوري الكوفيين فلعله كان يرى أنه ينبغي أن يسند هذا الى نحاتهم. بحكم معرفتهم لهم، وصلتهم بهم ) ) [2] . وهذا التعليل أقرب الى الواقع من سابقه، فليس لأحد إلزام السيرافي فيما أخذ أو ترك، وإن كان ولابد فنحاة الكوفة أولى بذلك من أبي سعيد أو غيره.

وذهب الدكتور محمد البنا الى أن السيرافي كان متأسِّيًا في منهج كتابه بـ (طبقات) إبن سلاّم الجمحي و (طبقات) المبرد لنحويي البصرة وأخبارهم. قال: (( إن من يتأمل صنيع إبن سلاّم في ترتيبه لنحاة البصريين يجد أن ... الطبقات الخمس التي ذكرها إبن سلاّم هي بعينها الطبقات الخمسة الأولى التي ذكرها السيرافي في كتابه ... ومن يتابع ترجمات السيرافي حتى شيوخ المبرد يرى أنه قد أفاد كثيرًا من المبرد على نحو ما أفاد من إبن سلاّم. والنصوص المأخوذة عن المبرد تترى بين نقول وروايات ) ) [3] . إذًا فاحتمال تأثر (مراتب) السيرافي بمراتب أبي الطيب اللغوي أمر مستبعد، وربما كان أمرًا واقعًا لأنهما وضِعا في زمان واحد، وإن أبا الطيب اللغوي ـ على حدّ علمي ـ كان رائدًا في استحداث مصطلح (المرتبة) ، وها هو يظهر مرة أخرى عند السيرافي، وإن ثمت تشاكل بين مضمون المرتبة عند العالمين كلاهما. وعندهما أن فكرة المرتبة أول ماتستند على مبدأ الطبقة، إذ يكون تقصّي طبقات العلماء جيلًا بعد جيل على أساس أخذ بعضهم عن بعض، بدءًا بطبقة الشيوخ، ثم طبقة التلاميذ، ثم طبقة من أخذ عنهم، وهكذا. يعمد بعد ذلك الى كل عالم في هذه الطبقات كلٌ بحسب طبقته لبيان مرتبته فيها، والمرتبة كما تقدم تكون على أساس حظّ العالم من الرواية أو الدراية. فإذا تمّ ذلك قورن بمراتب العلماء في الطبقة الواحدة ما تهيأ ذلك، كقوله في (ذكر أخبار أبي زيد الأنصاري) : (( كان أبو زيد عالمًا بالنحو، ولم يكن مثل الخليل وسيبويه، وكان يونس من باب أبي زيد في العلم باللغات. وكان يونس أعلم من أبي زيد بالنحو، وكان أبو زيد أعلم الثلاثة بالنحو، أعنيه والأصمعي وأبا عبيدة ) ) [4] . وقال

(1) المصدر نفسه.

(2) المصدر نفسه: 68.

(3) المصدر نفسه: 72.

(4) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن عبدالله بن مذحج الزبيدي والأشبيلي، أخذ العربية عن أبي علي القالي وأبي عبدالله الرباحي، وكان الزبيدي مؤدبًا لولد المستنصر بالله وقاضيًا لقرطبة. ينظر: بغية الوعاة: 1/ 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت