الرسول صلى الله عليه وسلم فلا نعلم بها إمامًا بالعربية )) [1] ، وذكر من علمائها علي الجمل [2] ، قال فيه: (( وممن كان بالمدينة أيضًا عليُّ الملقب بالجمل، وكان وضع في النحو كتابًا لم يكن شيئًا ) ) [3] . وقال في مكة المكرمة: (( وأما مكة فكان بها رجل من الموالي يُقال له: ابن قسْطنطين [4] يَشدو شيئًا من النحو ) ) [5] ، وأمّا رأيه في مدينة بغداد، فقوله: (( وأمّا بغداد فمدينة مُلك، وليس بمدينة علم، وما فيها من علم فمنقولٌ إليها، ومجلوبٌ للخلفاء وأتباعهم ورعيتهم، ونيّتهم بعد ذلك في العلم ضعيفة ) ) [6] ، ثم قال فيها بقول أبي حاتم السجستاني: (( أهل بغداد حشو عسكر الخليفة، لم يكن بها من يوثق به في كلام العرب ) ) [7] . فلا علم للعرب إلافي مدينتي البصرة والكوفة وعلم الكوفة ليس كعلم البصرة؛ ولا علماؤهم كعلمائِهم، وقد قال فيهم: (( لم يكن لجميع الكوفيين عالم بالقرآن ولا كلام العرب، ولولا أن الكسائي دنا من الخلفاء فرفعوا من ذكره لم يكن شيئًا، وعلمه مختلط بلا حجج ولا علل، إلا حكايات عن الأعراب مطروحة ) ) [8] ، أما البصرة فلها الصدارة ولعلمائها في هذه المفاضلة. قال فيهم: (( فأما الذين ذكرنا من علماء البصرة فرؤساء علماء معظّمون غير مدافعين في المصرين جميعًا. ولم يكن في الكوفة ولا في مصر من الأمصار مثل أصغرهم في العلم بالعربية ولو كان لافتخروا به، وباهوا بمكانه أهل البلدان، وأفرطوا في إعظامه ) ) [9] . وهكذا يمنع أبو الطيب اللغوي الفضل عن أهل الكوفة أن يباهوا أحدًا بعلمائهم، وأباح لنفسه تفضيل البصريين عليهم وعلى سواهم مؤكدًا بصريّته في هذه المفاضلة، وما أنكره من عصبيةٍ، صار إليها بمفاضلته هذه؛ لأنها جاءت تلبيةً لهوىً بصريٍّ؛ فوافقت حكمًا بصريًّا [10] .
وضع أبو سعيد السيرافي بعد أبي الطيب اللغوي كتاب (أخبار النحويين البصريين ومراتبهم وأخذ بعضهم عن بعض) ، ولعل العنوان كافٍ في الدلالة على مضمون الكتاب، وقد جمع فيه السيرافي بين أخبار العلماء وبين مراتبهم، أي جمع فيه بين موضوع الترجمة ومبدأ الموازنة، وقد وقفه على نحاة البصرة فحسب.
(1) مراتب النحويين: 100.
(2) لم أقف على ترجمةٍ له، وجاء في (مراتب) أبي الطيب: 100ـ101، أنه رجل من الموالي قال فيه أبو حاتم السجستاني: وضع ابن قسْطنطين بمكة شيئًا من النحو، ثم قدم البصرة فسمع النحو، فطرح ما كان عَمِل، ووضع شيئًا آخر لا يساوي شيئًا.
(3) مراتب النحويين: 100.
(4) المصدر نفسه: 101.
(5) المصدر نفسه.
(6) المصدر نفسه: 74.
(7) المصدر نفسه: 26.
(8) ينظر: أبو الطيب اللغوي وآثاره في اللغة: 22ـ23.
(9) أخبار النحويين البصريين (مقدمة المحقق) : 5.
(10) المصدر نفسه (مقدمة المحقق) : 6.