الصفحة 59 من 416

(الغريب المصنف) على ترجمته: (تأليف أبي عبيد القاسم بن سلاّم الجُمحي) ، وليس أبو عبيد بجمحي ولا عربي؛ وإنما الجمحي محمد مؤلف كتاب (طبقات الشعراء ) ) ، وأبو عُبيد في طبقة من أخذ عنه )) [1] .

وبعد أن فرغ أبو الطيب من بيان فساد المعايير التي فاضلوا بها وما ترتب عليها من نتائج أخذ يرسم لنفسه وللقارئ منهجه في المفاضلة التي سيعقدها بين علماء المذهبين، قال: (( فرسمت لك في هذا الكتاب ما تَقبحُ الغفلة عنه، ولايسع العقلاء جهله، وجمعت ماخشيتُ من تفرّقه عليك، الى تطويلٍ لا ينفعك، بإذن الله ) ) [2] . وفّىبو الطيب بذلك، فقد جاء كتابه مختصرًا خالٍ من التطويل، وقد جعل المفاضلة بمتنٍ واحد؛ فلم يخضع كتابه الى تقسيم معين أو موضوعات وعناوين بارزة، سوى التسيمة التي افتتح بها كتابه وقفاها بالصلاة والدعاء [3] . وهذا تأكيد ما ذهبنا إليه من أن الترجمة لم تكن مقصودة لذاتها، وقد أشكل على الدارسين بضمنهم محقق الكتاب نفسه الدكتور محمد أبو الفضل إبراهيم، وظنوا أن كتاب (المراتب) هو كتاب ترجمة، ومرّدُ هذا الأشكال هو أن المفاضلة التي عقدها أبو الطيب كانت تعتمد بالدرجة الأساس على جوانب معينة من شخصية العالم تكفي لأن تكون ترجمة لصاحبها، وهذا ما اعتمد عليه أبو الطيب في معاييره التي فاضل بها، فقد كان يعتمد في المفاضلة بين العلماء على علاقة العالم بشيوخه؛ وهذا حدّ (المرتبة) من الخارج، ثم يعود فيبحث في مضمون (المرتبة) . مركزًا على ما توافر للعالم من علم وحفظٍ وحظٍّ من الرواية والتأليف؛ وهذا حد المرتبة من الداخل. لذا فقد قَصَر مفاضلته هذه على العلماء المبرّزين، أمّا ما سواهم فلم يعرض لهم، وأساس هذا الترجيح قوله: (( وفي خلال هؤلاء قومٌ علماء لم نذكرهم لأنهم لم يُشهروا، ولم يُؤخذ عنهم، وإنما شهرة العالم بمصنفاته والرواية عنه ) ) [4] . ومما لاشك فيه أن هذه الجوانب تكفي لأن تكون ترجمة لأصحابها؛ وهذا ما تعاقبت عليه كتب التراجم بغضّ النظر عن الجوانب الأخرى، و مع ذلك تخلى أبو الطيب عن كثير من مقوّمات الترجمة؛ كإغفاله وفيات العلماء؛ ذلك استبعاد الكثير منهم لما مرّ ذكره. قال في ذلك: (( وجملة الأمر أن العلم إنتهى إلى من ذكرنا من أهل العراقيين على الترتيب الذي رتَبْنا؛ وهؤلاء أصحاب الكتب والرجوع إليهم في علم العرب، وما أخللنا بذكر أحدٍ إلا لسبب: إمّا لأنه ليس بإمام ولا معوّل عليه، وإما لأنه لم يخرج من تلامذته أحد يُحيّي ذكره، ولابدّ من تأليفه شيء يُلزم الناس نشره؛

(1) ينظر: المصدر نفسه.

(2) المصدر نفسه: 85.

(3) هو أبو محمد، واسمه عبدالرحمن ـ والاشهر يحيى ـ بن المغيرة المقرئ، من غلمان أبي عمرو بن العلاء في النحو والغريب والقراءة، كان مؤدب المأمون، خرج معه الى خراسان وتوفي بها. وجماعة اليزيديين هم: يحيى وأولاده؛ منهم إبنه محمد وأخوته، ثم محمد وأولاده؛ وكلهم يوصف بالأديب العالم. ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 61 ـ 66.

(4) مراتب النحويين: 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت