الصفحة 57 من 416

في النحو يتخذ من العلماء موضوعًا له، فكان أول ما وصل إلينا منها كتاب (مراتب النحويين) لأبي الطيب اللغوي، وقد آن الأوان لأن نضع هذا الكتاب في مصاف كتب النقد التي إتخذت من الموازنة النقدية منهجًا لها قبل أن يُحسب في عداد كتب الترجمة كما شاع بين الدارسين.

سمّى أبو الطيب اللغوي كتابه بـ (مراتب النحويين) تناسبًا مع الغاية المتوخاة من وضعه، فاساس الموازنة التي عقدها في هذا الكتاب تعتمد على فكرة (المرتبة) ، أما أطراف الموازنة في هذا

الكتاب فهم علماء الكوفة والبصرة؛ وهم الطرف الأساس في هذه الموازنة، وقد ضمّ إليهم البغداديين

وأراد بهم علماء الكوفة النازلين ببغداد [1] ، ثم أضاف إليهم طرفين آخرين هم علماء مكّة [2] والمدينة [3] ، وكان مجموع العلماء الذين خضعوا لهذه الموازنة يقرب من السبعين عالمًا أغلبهم من النحاة وفيهم لغويّون وأدباء وقرّاء لهم صلة أكيدة بالنحو، ينضاف إلى ذلك بعض الأسماء التي وردت عرضًا لرسم جانب أو أكثر من جوانب الشخصية المُفاضل بها [4] .

جاءت مراتب أبي الطيب اللغوي على أساس أنها ردّ فعل على العصبية التي استشرت على مجالس العلماء وغلبت على موازناتهم؛ وهذه هي الغاية من تأليف الكتاب؛ ومع أن بعضهم قد ألحَّ على أبي الطيب في ذلك، لكنه لم يفعل؛ وهو يُجيب السؤل الآن. قال: (( وإنك ـ أعزّك الله ـ شكوت إلي دفعةً بعد أُخرى، وثانيةً بعد أولى، شدّة تفاوت ما يصل إلى سمعك وقلبك من كلام أهل العصبيّة، في المفاضلة بين أهل العربية، وادعاء كلّ قومٍ تقدّم من ينتمون إليه، ويعتمدون في تأدّبهم عليه ) ) [5] . فالحاجة إلى هذه الموازنة باتت ملحة، وليس السائل إليها بأحوج من المسؤول عنها.

أخذ أبو الطيب في مقدمة كتابه يوضِّح فساد المعايير التي استندوا إليها في مفاضلاتهم وبنوا عليها موازناتهم، قال: (( وهمْ لا يدرون عمّن روى، ولا من روى عنه، ومن أين أخذ علمه، ولا من أخذ منه؛ وقد غلب هذا على الجُهّال، وفشا في الرذّال ) ) [6] . ومن مؤشرات العصبية والجهل الذي غلب على مفاضلتهم وأنكره عليهم أبو الطيب أنهم لم يكونوا ليفرقوا بين العلماء، ولاسيما الذين تشابهت أسماؤهم واتفقت كُناهم وألقابهم؛ وهذا جهل بطبيعة أطراف الموازنة وخصائصها، ولجهلهم بهذه الخصائص والفروق صاروا يضيفون مزيّة بعض العلماء إلى بعضهم الآخر ولِما وقع بينهم من تشابه في

(1) ينظر: المصدر نفسه: 98، 100.

(2) ينظر: المصدر نفسه:11ـ12، 84، 90 ـ91،97.

(3) ينظر: المصدر نفسه: 1.

(4) المصدر نفسه.

(5) هو أبو عبيدة مَعْمر بن المثنى التميمي، تيم قريش مولى لهم، كان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وكان كثير الرواية حتى قيل: كان ديوان العرب في بيته، وكان يطعن على العرب ويؤلِّف في مثالبهم. ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 175ـ 178.

(6) هوأبو عبيد القاسم بن سلاّم مملوكيًا روميًّا، كان إمام وقته في اللغة بالبصرة، إلا أنه كان ناقص العلم بالاعراب، أخذ عن أبي زيد وأبي عبيدة والاصمعي واليزيدي وابن الاعرابي والكسائي وغيرهم، له (غريب الحديث) و (غريب القرآن) و (والغريب المصنف) . ينظر: بغية الوعاة: 2/ 253 ـ254.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت