فـ (( هناك إتجاهات متعددة في مدرسة البصرة [مثلًا] لكل منها منهجه الخاص الذي يميزه عن المناهج الأخرى، دون أن يفقد الصلة القوية التي تربطه بالاطار العام للمدرسة البصرية ) ) [1] ، كما أن هذه الموازنات تُعنى بالمناهج كونها وسيلة لعرض المباحث النحوية على المتعلمين أو غيرهم، آخذين بالحسبان حجم الإفادة التي يتلقاها المتعلمون من العلماء عن طريق هذه المناهج.
2ـ بين العلماء: إن للعالم أتباعًا وأنصارًا؛ يقولون بقوله ويتّبعون منهجه ويأخذون بآرائه؛ وهو حجّة بنفسه ومعيارٌ يُستند إليه ويُعايربه [2] ،وإن رغبة العلماء في حذو خطى الرؤساء منهم بما تناسب لهم من فضل في العلم وحتى في الأخلاق دفعهم إلى أن يعقدوا بينهم موازنات يُنزلون فيها العلماء منازلهم [3] ، ولكن هذه الموازنات سرعان ما اتخذت من فكرة وجود مذهبين متباينين ذريعة لعقدها ومبررًا لوقوعها؛ حتى دخلت طور العصبية للمذهب [4] ، ومع ذلك فإن بعضها كان يأخذ جانب الجدّية؛ بل كان بعض العلماء يجدون أنفسهم عاجزين عن الإيفاء بمتطلباتها. قال أبو عمر الزاهد (ت 345هـ) [5] : (( سألت أبا بكر السراج [ت 316هـ] ، فقلت: أي الرجلين أعلم؟ ثعلب أم المبرّد؟ فقال: ما أقول في رجلين، العالم بينهما ) ) [6] ، إذ كان لابدّ لمثل هذه الموازنات من عالم عارف بدقائق الأمور وخصائصها، وكان بعض العلماء يقول فيهما (أي ثعلب والمبرد) : (( مايعرف أعلمهما إلا من هو أعلم منهما ) ) [7] .
إن أهم ما وصل إلينا من الموازنات التي عُقدت حول علماء النحو؛ تلك الموازنات التي عقدها أبو حيان التوحيدي في كتابه (الإمتاع والمؤانسة) [8] بطلب من الوزير أبي عبدالله العارض (ت 375هـ) [9] ، منها الموازنة التي عقدها بين شيخه السيرافي وأقرانه في (الليلة الثامنة) من ليالي
(1) ينظر: مراتب النحويين: 29.
(2) ينظر قول أبي الطيب اللغوي في المصدر نفسه: 1.
(3) هو محمد بن عبدالواحد بن أبي هاشم المطّرز اللغوي غلام ثعلب، قيل أنه لسعة حفظه نُسب الى الكذب والتزيّد، وأهل الحديث يوثقونه، وكان أخذ عن ثعلب، وله (شرح الفصيح) و (فائت العين) . ينظر: بغية الوعاة: 1/ 164.
(4) معجم الأدباء: 5/ 138.
(5) المصدر نفسه: 5/ 137.
(6) ينظر - على سبيل المثال -، الليالي: الثانية، والرابعة، والخامسة، والثامنة.
(7) قال عنه محقق كتاب (الإمتاع والمؤانسة) : ورقة (هـ) ، الأستاذ أحمد أمين: (( لقد بحثت عنه في مظانّه فلم أوفق الى العثور عليه، وقبل ذلك عُني المرحوم أحمد بن زكي باشا بالبحث والسؤال عنه من بعض علماء الشرق والغرب فكان حظّه حظّي ) ). ثم قال: (( وأخيرًا رجّحت أنه الوزير أبو عبدالله الحسين بن احمد بن سعدان وزير صمام الدولة البويهي ) )وهذا متأيّدٌ بقول ياقوت الحموي في ترجمة أبي حيان التوحيدي في معجم الأدباء: 8/ 178ـ186، وقد نص في غير موضع من الترجمة على أنه الوزير إبن سعدان المشار إليه.
(8) هوأبو الحسن علي بن عيسى بن عبدالله الرماني، كان عالمًا متفننًا بالعلوم كالنحو واللغة والفقه على مذهب المعتزلة، أخذ النحوعن إبن السراج، واللغة عن إبن دريد، وله على كتاب سيبويه شرح. ينظر: نزهة الالباء:233ـ 235.
(9) هو أبو الفتح محمد بن جعفر بن محمد الهمذاني ثم المراغي الوادعي، كان معلمًا لعزّ الدولة أبي منصور، وكان حافظًا أخباريًا، صنّف: (الاستدراك لما أغفله الخليل) و غيره،. ينظر: الفهرست: ا/ 94.