كلام العرب )) ؛ فقدّر على مذهب الفراء (سكنت حركات زيد) ليستقيم المعنى ويُطابق الإعراب، ولا فرق ظاهر بين التقديرين: التقدير الذي جاء به، والتقدير الذي أنكره؛ من قبل أن الذي أمات زيد هو الله تعالى؛ كما أن الذي أسكن حركاته هو الله تعالى، فزيد في الحالتين كلاهما لم يكن فاعلًا على وجه الحقيقة، والوجه فيه وفقًا للبديهية البصرية المعروفة في الإعراب والتي أنكرها ثعلب أن يُعرب (زيد) فاعل في اللفظ، مفعول في المعنى، وهو أحسن الوجوه وأقومها.
ومهما يكن من شيء فان هذه الموازنة كانت موازنة ذكيّة، فقد ركّز ثعلب فيها على النتائج المترتبة على المنهج كأثر من آثاره وهو الإعراب، في حين ركز الريّاشي في موازنته السابقة على المقدمات التي بُني عليها منهج المذهب، وهو الرافد السماعي الذي أخذت عنه اللغة والمتمثل بالقبائل العربية. ومن جهة أخرى إختار ثعلب في موازنته عالمين متقدمين من علماء المذهبين؛ فسيبويه والفراء كل واحد منهما يمثل رأسا في مذهبه، وطريقتهما في دراسة اللغة هي طريقة المذهب ومنهجه في التعامل مع الظواهر النحوية في اللغة، ولا يقطع بالضرورة أن تكون المفاضلة التي تُعقد بين منهج عالمين من علماء المذهبين أنْ يُراد بها منهج المذهب نفسه؛ فقد يكون المراد منها منهج العالم لا منهج المذهب الذي ينتمي إليه، كالموازنة التي عقدها أبو علي الدينوري ختن ثعلب بين منهج المبرد وطريقته في تدارس اللغة؛ وبين طريقة ختنة ثعلب ومنهجه فيها، إذ فقال وقد طلب منه ذلك: (( إن المبرد حسن العبارة، حلو الإشارة، فصيح اللسان، ظاهر البيان، وثعلب مذهبه مذهب المعلمين، فاذا اجتمعا في محفل حُكم للمبرد على الظاهر إلى أن يُعرف الباطن ) ) [1]
ومثل هذه الموازنة الموازنات التي كانت تتكرر في رسالة (الإفصاح) لابن الطراوة (ت 528هـ) [2] والتي كان يعقدها بين منهج أبي علي الفارسي ومنهج سيبويه وطريقتهما في عرض أبواب النحو وتنسيق قواعده، كقوله في باب (إن وأن) : (( وهذه إشارة يسيرة فيما تنطوي عليها هذه الأبواب من وجوه النظر، وتزاحم المعاني عليها، وإنما لوّحت لك بهذا ليكون منك بتفقد وكيد، واعتناء شديد، فان هذا الرجل [أبو علي الفارسي] لفّ القول فيها على غرِّه، ولم يفرق بين حلوه ومُرِّه، وما اختصره سيبويه في صفحات كثيرة بَسَطه [هو] في كلمات يسيرة، فصار الناظر فيه بين فوت الراحة وعدم المعرفة، وكلام سيبويه أسهل للفك، وأجلى للشك، وأقرب للمتناول، واشرفُ للمحاول من هذه الخزعبلات والأسماء المهولات ) ) [3] .
إن الموازنات النقدية التي كانت تُعقد حول المناهج لم تكن تخرج عن هذه الاوضاع، فهي إمّا
أن تُعقد حول منهج المذهبين؛ أو تعقد حول المناهج الشخصية للعلماء بغض النظر عن إنتماءاتهم المذهبية، وهذه الأخيرة أكثر من سابقتها وهي تُعنى بالمناهج الفردية كونها وسيلة للبحث والدراسة
(1) رسالة الإفصاح ببعض ما جاء من الخطأ في كتاب الإيضاح: 46.
(2) الموازنة بين المناهج البصرية (بحث) : 43.
(3) ينظر: رسالة الإفصاح ببعض ما جاء من الخطأ في كتاب الإيضاح: 22.